أفكار ومواقف

الهيكلة والأجور

صحيح أن الحد الأدنى للأجور (220 ديناراً) ليس بذلك المبلغ الذي يمكن العامل أو الموظف من تلبية احتياجاته الأساسية أو حتى الحد الأدنى من متطلباته خاصة في ضوء السياسات الاقتصادية الانكماشية التي اتبعتها الحكومات في السنوات السابقة والتي جميعها حملت جيوب المواطنين وإيرادات القطاع الخاص معالجة التشوهات في المالية العامة والتصدي للعجز المالي المزمن الناتج أساساً عن تزايد الإنفاق الحكومي والتمويل غير الرشيد لاحتياجاتها المختلفة.
من هنا فإن تعديل الحد الأدنى للأجور هو مسألة ضرورية لتعزيز الأمن المعيشي للمواطن في مواجهة مستلزمات الحياة اليومية الضرورية له ولأسرته، وهذا أمر لا خلاف عليه من حيث المبدأ، لكن التوقيت هو الأساس الخلافي بين أطراف المعادلة الإنتاجية في المملكة، لذلك فإن العامل ورب العمل والنقابات والنواب وغيرهم خلطوا “الحابل بالنابل”، ويضيع الجهد في معالجة هذا التشوه الهيكلي في الأجور.
الأصل أن تكون عمليات تعديل الحد الأدنى للأجور في أوقات النمو الاقتصادي والانتعاش، حينها تكون المطالبات بتعديل الحد الأدنى للأجور أو حتى زيادة الرواتب والعلاوات أمرا منطقيا لا يمكن إنكاره خاصة في القطاع الخاص، فالنمو الحاصل فيه هو أساسا نتيجة نشاط العاملين وتفانيهم في العمل، وبالتالي هم فعليا شركاء مع أرباب الأعمال في ازدهار منشآتهم.
لكن في أوقات التراجع الاقتصادي واستمرار حالة الركود في الأنشطة المختلفة للقطاع الخاص أو حتى في الحكومة، فان المطالبات المالية للعاملين تكون أشبه بعمليات الانتحار الجماعي لهم والقضاء على أية فرص عمل للنهوض من جديد بتلك المؤسسات والشركات التي في الغالب ما تلجأ إلى إعادة عمليات هيكلة في أنشطتها كخطوات وقائية لتجنب الخروج من السوق والتصفية أو على الأقل وقف نزيف الخسائر.
ما يحدث في الأردن من الناحية الواقعية هو أمر مخالف لِكُل قوانين العمل وحرية المؤسسات والشركات في إعادة هيكلة أنشطتها التي تتضمن تخفيف الإنفاق بكافة أشكاله ومنها تسريح العمالة لديها حتى ولو بشكل جزئي، إضافة إلى تقليل المصاريف المختلفة وتخفيض الإنتاج وكلفه، كل ذلك من اجل الحفاظ على ديمومة المؤسسة أو المنشأة بتدني متطلبات استمرار النشاط الإنتاجي لها.
قوانين العمل في المملكة تتضمن معالجات واضحة لكافة أشكال إعادة الهيكلة وأجور التعويض وبشكل حضاري جدا، لكن الممارسات على أرض الواقع مؤلمة للغاية، فغالبية المعالجات تلتف على القانون وتتصدر النقابات آليات العلاج بشكل مُخالف للقانون، وتسير به وفق شعبويات تلحق أشد الأذى الاقتصادي في المنشآت، بالمطالبات بزيادة الرواتب والعلاوات ورفع الحد الأدنى للأجور يكون في أوقات النمو لا أوقات التباطؤ، ففي الحالة الأخيرة يجب أن يعطى رب العمل الصلاحيات الكاملة المنصوص عليها في القوانين في إعادة الهيكلة ومعالجة الاختلالات المختلفة في سبيل بقاء المنشأة واستمرارها بالعمل، أما أن تكون المنشأة في حالة اقتصادية صعبة وتأتي المقابلات المختلفة وتطالب بتعويضات خيالية غير منطقية ولا واقعية، كما حصل في شركات الفوسفات والأسمنت وبعض الصحف ووسائل الإعلام، علما أنها من الشركات التي تعاني لغاية يومنا من التعويضات المالية التي دفعتها للعمال تحت مسميات مختلفة في الوقت الذي تعاني منه هذه الشركات من تباطؤ حاد في أنشطتها، مما ادخلها في نفق الخسائر المظلم.
المؤسف في الأمر أن حتى تلك التعويضات والزيادات لم يكن لها الأثر الإيجابي على النمو والإنتاجية، وكأن شيئاً لم يحدث، فالزيادات عادة ليس لها أي ارتباط بإنتاجية العامل وهذا أمر فيه خلل واضح اغفل لصالح شعبويات فوق القانون.
في الحالات الصعبة التي يمر بها الاقتصاد فالأساس هو أن تبادر الحكومات إلى معالجات التشوه في بيئة الأعمال المختلفة، وإزالة الأعباء المالية والإدارية أمام القطاع الخاص حتى يتمكن من الاستمرار بالعمل، وذلك من خلال أدواتها كاشتراطات الضمان والإعفاءات والضرائب والرسوم، لا أن تدير ظهرها بمطالب العاملين بالاستقواء على أرباب العمل.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock