ترجمات

الوباء.. من منظور الفيروس

ديفيد كوامن – (نيويورك تايمز) 19/9/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

لا يمكن لأي شخص عاقل أن يجادل في حقيقة أن “كوفيد- 19” هو مأساة كبيرة للبشرية -مأساة حتى بالمعنى الإغريقي القديم، كما عرفها أرسطو، باعتبارها النهاية الكارثية التي تتوقف على سقطة يسببها الغرور في بطل الرواية. وهو هذه المرة ليس أوديب أو أغاممنون. إنه نحن هذه المرة هم ذلك البطل المغرور، بعد أن جلبنا الكارثة على أنفسنا. ويعكس نطاق الوباء والدمار الذي يُحدثه سوء حظ، نعم، وعالماً خطيراً، نعم –لكنهما يعكسان أيضا إخفاقات كارثية للبصيرة البشرية، والإرادة الجمعية، والقيادة.
ولكن، دعونا ننظر للحظة إلى ما وراء هذا السجل للإخفاق البشري، ونتأمل هذا الحدث برمته من وجهة نظر الفيروس نفسه. دعونا نقيسه بمنطق التطور البارد: إن مسيرة “سارس- كوف-2” حتى الآن، من منظور دارويني، هي قصة نجاح مهنية عظيمة.
كان فيروس كورونا، الذي أصبح الآن مشهورا وسيئ السمعة، مخلوقا غير واضح، يتربص بهدوء في مضيفه الطبيعي: بعض مجموعات الحيوانات، ربما الخفافيش، في الكهوف والغابات المتبقية في جنوب الصين. ووجود مثل هذا المخبأ الحي -المعروف أيضا باسم المستودع- ضروري منطقيا عندما يظهر أي فيروس جديد فجأة كمصدر لعدوى بشرية.
لماذا؟ لأن كل شيء يأتي من مكان ما، والفيروسات تأتي من كائنات خلوية، مثل الحيوانات أو النباتات أو الفطريات. (الجسيم الفيروسي ليس خلية؛ إنه مجرد شريط من التعليمات الجينية مغلف بكبسولة بروتينية- رسالة في زجاجة). ويمكن للفيروس أن ينسخ نفسه فقط، ويعمل كما لو أنه حي ويستمر في البقاء بمرور الوقت إذا كان يسكن في خلايا كائن أكثر تعقيدًا، مثل نوع من طُفيلي جيني.
بشكل عام، تمثل العلاقة بين الفيروس والمضيف/ المستودع تكيفا تطوريا قديما. الفيروس يواصل البقاء بلا ظهور تقريباً، ومن دون التسبب في مشاكل، من دون أن ينتشر بشكل متفجر، ويحصل في المقابل على أمان طويل الأمد. وتبقى آفاقه متواضعة: عدد سكان صغير نسبيا ونطاق جغرافي محدود.
لكن ترتيب الضيف-المضيف هذا ليس مستقرا بشكل ثابت لا يتغير، ولا هو نهاية القصة. إذا أصبح نوع آخر من المخلوقات على اتصال وثيق مع المضيف -عن طريق افتراسه، أو أسره، أو ربما فقط من خلال مشاركته نفس الكهف- فقد يتم دفع الفيروس من منطقة راحته إلى وضع جديد: مضيف محتمل جديد.
فجأة يصبح الأمر أشبه بمجموعة من الجرذان التي تقفز إلى الشاطئ من سفينة إلى جزيرة نائية. وقد ينتشر الفيروس في هذا الموطن الجديد، أو أنه قد يفشل ويموت. وإذا حدث وأن ازدهر؛ إذا وجد بالصدفة أن الوضع الجديد مضياف، فإنه قد يثبّت نفسه -ليس في الفرد الجديد الأول فقط، وإنما في مجتمع السكان الجديد كله.
قد يكتشف نفسه قادرا على دخول بعض خلايا العائل الجديد، ونسخ نفسه والتكاثر بكثرة ونقل نفسه من ذلك الفرد إلى آخرين. وتسمى هذه القفزة بتبديل المضيف أو، بمصطلح أكثر وضوحا بقليل، الانتشار. وإذا نتجت عن الانتشار حالات مرض بين دزينة أو اثنتين من الناس، فهذا يعني أن لديك تفشيا للمرض. وإذا انتشر في جميع أنحاء البلاد، فإنه وباء. وإذا انتشر في جميع أنحاء العالم، فهو جائحة.
تخيل مرة أخرى مجموعة الجرذان تلك في جزيرة كانت خالية سابقا من الجرذان. سيكون من دواعي سرورها أن تجد الجزيرة مأهولة بالعديد من أنواع الطيور المتوطنة، ساذجة وواثقة، معتادة على وضع بيضها على الأرض. ستأكل الجرذان هذا البيض. وسرعان ما تكون الجزيرة قد خسرت طيورها من خطاف البحر، والتَفلَق، والزقزاق، لكن لديها وفرة من الجرذان.
بمرور الوقت، تكتسب الجرذان أيضا القدرة على النبش واستخراج السحالي من مخابئها وسط الصخور وجذوع الأشجار، وأكلها. ثم تطور خفة حركة محسنة في تسلق الأشجار، وتأكل البيض من أعشاش الطيور هناك أيضا. والآن يمكنك أن تسمي المكان جزيرة الجرذان. وهذه، بالنسبة للجرذان، قصة نجاح تطوري.
إذا كانت الجزيرة الموطن البعيدة هذه إنسانا استعمره حديثا فيروس قادم من حيوان غير بشري، فإننا نسمي هذا الفيروس “حيواني المنشأ” zoonosis. وتكون العدوى الناتجة هي “مرض حيواني المنشأ” zoonotic disease. وتقع أكثر من 60 في المائة من الأمراض المعدية التي تصيب الإنسان، بما فيها “كوفيد- 19” ضمن هذه الفئة من الأمراض الناجمة عن فيروسات حيوانية المنشأ والتي حققت النجاح. وتحدث بعض الأمراض حيوانية المنشأ بسبب البكتيريا (مثل العصيات المسؤولة عن الطاعون الدبلي) أو أنواع أخرى من مسببات الأمراض، ولكن معظمها فيروسي.
لا تُكِنُّ الفيروسات لنا أي ضغينة. وليست لديها أغراض ولا مخططات. إنها تتبع نفس الضرورات الداروينية البسيطة مثلها مثل الجرذان أو أي مخلوق آخر مدفوع بجينوم: أن تنشر نفسها قدر الإمكان بوفرة، في الفضاء الجغرافي وفي الوقت. وغريزتها البدائية هي أن تفعل بالضبط ما أوصى به الله البشر المخلوقين حديثا في سفر التكوين، الآية 1:28: “أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا”.
بالنسبة لفيروس غامض، فإن البقاء داخل مضيفه المستودع –سواء كان خفاشاً أو قرداً في منطقة نائية ما في آسيا أو إفريقيا، أو ربما فأرا في جنوب غرب أميركا- فإن الانتشار إلى البشر يوفر الفرصة للاخضاع. ليس كل فيروس ناجح سيقوم “باخضاع” الكوكب، لكن البعض منها تقطع شوطاً جيدا في الطريق نحو اخضاع البشر على الأقل.
هكذا حدثت جائحة الإيدز. انتقل فيروس شمبانزي معروف الآن باسم “فيروز نقص المناعة القردي للشمبانزي” SIVcpz من قرد شمبانزي مفرد إلى إنسان مفرد، ربما عن طريق ملامسة الدم أثناء قتال مميت، واستقر في الإنسان. وتخبرنا الأدلة الجزيئية التي طورها فريقان من العلماء، أحدهما بقيادة الدكتورة بياتريس إتش هان Beatrice H. Hahn، والآخر بقيادة مايكل ووروبي Michael Worobey، أن هذا حدث على الأرجح منذ أكثر من قرن، في الركن الجنوبي الشرقي من الكاميرون، في وسط إفريقيا، وأن الفيروس استغرق عقودًا لتحقيق الكفاءة في الانتقال من إنسان إلى آخر.
ثم، بحلول العام 1960، سافر هذا الفيروس أسفل النهر ليصل إلى المدن الكبرى مثل ليوبولدفيل (الآن كينشاسا، عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية)؛ ثم انتشر إلى الأميركتين وانفجر في أوائل الثمانينيات. والآن أصبحنا نسميه “HI.V.-1 group M”: وهي السلالة الوبائية المسؤولة عن معظم الـ71 مليون إصابة بشرية المعروفة حتى هذا التاريخ.
كان الشمبانزي نوعا حيا في حالة تدهور، للأسف، بسبب فقدان الموائل ومقتل أفراده على يد البشر؛ وفي المقابل، كان البشر نوعًا حياً في صعود. وعكس فيروس نقص المناعة القردي للشمبانزي آفاقه التطورية الخاصة من خلال الدخول إلى أجسامنا والتكيف جيدا مع المضيف الجديد. وهكذا قفز من قارب نجاة غارق إلى متن سفينة سياحية فاخرة.
وفعل “سارس- كوف-2″ الشيء نفسه، على الرغم من أن نجاحه حدث أسرع بكثير. فقد أصاب الآن أكثر من 30 مليون شخص، أي أقل بقليل فقط من نصف عدد الأشخاص الذين أصيبوا بفيروس نقص المناعة البشرية، وفي 10 أشهر بدلاً من 10 عقود. وهو ليس أنجح فيروس يصيب الإنسان على هذا الكوكب –هذه السمة تكمن في مكان آخر، ربما مع فيروس فيروس إبشتاين-بار Epstein-Barr، وهو نوع شديد العدوى من فيروس الهربس، والذي قد يتواجد في 90 في المائة على الأقل من جميع البشر، مما يسبب متلازمات في البعض ويبقى كامناً في المعظم. لكن الـ”سارس- كوف-2” خرج ببداية صاخبة.
الآن، لأغراض التوضيح، تخيل سيناريو مختلفاً، يتضمن فيروسًا مختلفًا. يعيش في الغابات الجبلية في رواندا خفاش صغير آكل للحشرات يُعرف باسم خفاش حدوة حصان هيل Rhinolophus hilli. وهذا خفاش حقيقي، وإنما لا يتم الإلماح إليه إلا نادرا ويتم تصنيفه على أنه كائن معرض لخطر الانقراض. ثم أضف فيروس كورونا، الذي يعمل هذا الخفاش كمستودع له. سمِّ هذا الفيروس RhRW19 (اختصار مشفر للفرز الذي يستخدمه علماء الأحياء)، لأنه تم اكتشافه داخل نوع خفاش حدوة الحصان (Rh)، في رواندا (RW)، في العام 2019 (19).
وهذا الفيروس افتراضي، لكن تحققه معقول، نظرًا لأنه من المعروف عن فيروسات كورونا أنها تحدث في العديد من أنواع خفافيش حدوة الحصان حول العالم. ويكون فيروس RhRW19 هذا على وشك الانقراض، لأن الخفافيش النادرة هي ملجأها الوحيد. قارب النجاة يسرب المياه بشكل سيئ وهو شبه غارق.
ولكن عندئذٍ، يدخل مزارع رواندي واحد، في حاجة إلى الأسمدة لمحاصيله على رقعة ضئيلة من التراب، إلى كهف ويجرف بعض ذرق الخفافيش. وهكذا، جاء ذرق الطائر من خفافيش حدوة حصان هيل، وهو يحتوي على الفيروس. وخلال عملية التجريف والتنفس، يُصاب المزارع بـ RhRW19. ويمرره إلى أخيه، ويحمله الأخ إلى عيادة إقليمية حيث يعمل ممرضًا. وينتشر الفيروس لأسابيع بين العاملين في العيادة والمخالطين لهم، فيجعل البعض يمرضون ويقتل شخصًا واحدًا، بينما تحسِّن خاصية الانتقاء الطبيعي قدرته على التكاثر داخل خلايا الجهاز التنفسي البشري والانتقال بين الناس.
تصابُ طبيبة زائرة بالعدوى وتحمل الفيروس إلى العاصمة كيغالي. وسرعان ما يصبح الفيروس في المطار، في الرحلات الجوية لأشخاص لم يشعروا بعد بالأعراض ويصعدون على متن رحلات إلى كينشاسا والدوحة ولندن. ويمكنك الآن تسمية الفيروس المحسَّن باسم مختلف: “سارس-كوف-3” SARS-CoV-3. هذه قصة نجاح لم تحدث بعد، لكن من السهل جدًا أن تحدث.
إن فيروسات كورونا هي مجموعة خطيرة للغاية. وقد نشرت مجلة “الخلية” Cell مؤخرًا ورقة بحثية عن الأمراض الوبائية وكيف جاءنا “كوفيد- 19″، والتي كتبها عالم يُدعى الدكتور ديفيد مورينز David M. Morens مع مؤلف مشارك آخر. ويعمل الدكتور مورينز، وهو مؤلف غزير الإنتاج ومعلق شغوف، كمستشار علمي أول لمدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، الدكتور أنتوني فوشي. والمؤلف المشارك في تأليف هذه الورقة هو الدكتور فوشي نفسه.
تقول الورقة، من بين أمور أخرى، أن فيروسات كورونا التي تتخذ لها مأوى في أنواع مختلفة من الثدييات “قد تكون مهيأة بشكل أساسي للعدوى البشرية”. وليس الخفافيش فقط، وإنما هناك ثديات أخرى -البنغولين، وقطط زباد النخيل الآسيوية، والقطط، العادية والقوارض، والمنك، ومن يعلم ماذا- والتي تحتوي على خلايا معرضة لنفس الخطافات الفيروسية التي تسمح لفيروسات كورونا بإحكام قبضتها على بعض الخلايا البشرية. وقد يؤدي التواجد داخل تلك العوائل/ المستودعات إلى تحضير الفيروسات بشكل جيد لإصابتنا نحن البشر.
كان أقرب قريب معروف لـ”سارس- كوف- 2″ هو فيروس تم اكتشافه قبل سبع سنوات، في خفاش تم التقاطه في منجم في مقاطعة يونان، الصين، بواسطة فريق بقيادة الدكتورة زينغلي شي Zhengli Shi، من معهد ووهان لعلم الفيروسات. ويحمل هذا الفيروس لقب RaTG13. وهو مشابه بنسبة 96 في المائة لـ”سارس- كوف- 2″، لكن فرق الأربع نقاط مئوية ذاك يمثل عقودًا من الاختلاف التطوري، ربما في مجموعة مختلفة من الخفافيش. وبعبارة أخرى، فإن RaTG13 وعدوّنا ليسا نفس الفيروس؛ إنهم مثل أبناء عمومة عاشوا كل حياتهم الراشدة في مدن منفصلة.
ما الذي حدث خلال تلك العقود من الاختلاف التطوري لجلب فيروس كورونا خفافيش لم يتم اكتشافه بعد إلى حافة الانتشار إلى البشر وتمكينه من أن يصبح “سارس- كوف- 2″؟ لا نعرف بعد. وسوف يواصل العلماء في الصين البحث عن هذا الفيروس الأقرب. وما تزال الأدلة التي تم جمعها حتى الآن مختلطة وغير كاملة، وتعقدها حقيقة أن فيروسات كورونا قادرة على اجتراح خدعة تطورية أنيقة: تركيب التوليفات.
وهذا يعني أنه عندما تصيب سلالتان من فيروس كورونا نفس الحيوان المفرد، فإنهما ربما تتبادلان الأقسام وتظهران كمركَّب، ربما (بالصدفة المحضة) والذي يشمل الأقسام الأكثر عدوانية وقدرة على التكيف من الاثنين. وقد يكون “سارس- كوف- 2” مركبًا بُني بالمصادفة والانتقاء الطبيعي من مكونات معروفة بوجودها بين فيروسات أخرى في البرية، وخرج من مضيفه غير البشري بقدرة مخيفة على الاستيلاء والدخول والتكاثر داخل خلايا بشرية معينة.
حظ سيء لنا. لكن التطور ليس شيئاً مفصَّلاً لإرضاء نوع الإنسان العاقل.
لقد أنجز “سارس- كوف- 2” خطوة مهنية عظيمة، حيث انتشر من مستودعه المضيف إلى البشر. وحقق مسبقاً اثنتين من الضرورات الداروينية الثلاث: توسيع وفرته؛ وتوسيع نطاقه الجغرافي. وتبقى الضرورة الثالثة فقط كتحدٍّ أخير: أن يديم نفسه في الزمن.
هل سنتخلص منه نهائيًا بعد أن أصبح فيروسًا بشريًا؟ على الاغلب لا. هل سنتجاوز متاعب حالة طوارئ “كوفيد- 19” هذه؟ نعم.
كان الدكتور مورينز مؤخرًا مؤلفًا مشاركًا لورقة أخرى تبحث في كيفية وصول فيروسات كورونا إلينا. وفي تلك الورقة، أشار هو وزملاؤه إلى عالم الأحياء الجزيئية البارز جوشوا ليدربيرغ Joshua Lederberg، الحائز على جائزة نوبل في العام 1958، عندما كان بعمر 33 عاما، والذي كتب لاحقا: “من المحتمل أن يتكشف مستقبل البشرية والميكروبات على شكل حلقات من قصة مثيرة، والتي يمكن أن تكون بعنوان ’ذكاؤنا مقابل جيناتهم‘”.
الدكتور مورينز مصيب، والدكتور ليدربيرغ كان مُحقاً. يمكن للفيروسات أن تتطور بسرعة وفعالية. لكننا نحن البشر أذكياء، أحيانًا.

*David Quammen: مؤلف وصحفي، من بين كتبه “الانتشار: عدوى الحيوانات والوباء البشري القادم”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Pandemic, From the Virus’s Point of View

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock