ترجمات

الوباء والطريق الطويل: لماذا تخطئ الحكومات في التعامل مع فيروس كورونا

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 26/9/2020
في غضون الأيام القليلة المقبلة، سوف تتجاوز الوفيات المسجلة عالميًا بسبب فيروس كورونا المليون وفاة. وربما مرت مليون حالة أخرى من دون أن تُسجل. فمنذ بداية الوباء قبل تسعة أشهر، كانت الحالات الأسبوعية التي سجلتها منظمة الصحة العالمية تتجه ببطء شديد إلى أعلى، وفي الأيام السبعة حتى 20 أيلول (سبتمبر)، تجاوزت الإصابات المليونين للمرة الأولى. وينتشر الفيروس مثل النار في الهشيم في أجزاء من العالم الناشئ. وتسجل الهند أكثر من 90 ألف حالة يوميًا. وبعض الدول الأوروبية التي اعتقدت أنها قمعت المرض أصبحت الآن في خضم موجة ثانية من التفشي. وتجاوزت حصيلة القتلى الرسمية في أميركا هذا الأسبوع 200 ألف شخص؛ ويرتفع إجمالي الحالات المسجلة لسبعة أيام في 26 ولاية أميركية.
تعرض هذه الأرقام الكثير من المعاناة. ويعاني ما يقرب من 1 في المائة من الناجين من أضرار فيروسية طويلة الأمد، مثل التعب المعوِّق والرئتين المليئتين بالندوب. وفي البلدان النامية، على وجه الخصوص، يتفاقم الثكل والفقدان بسبب الفقر والجوع. وسوف يجبر الشتاء الشمالي الناس على البقاء في الداخل، حيث ينتشر المرض بسهولة أكبر بكثير مما يفعل في الهواء الطلق. ويمكن أن تضيف الانفلونزا الموسمية مزيداً من العبء على النظم الصحية.
وسط هذه القتامة، ضع في اعتبارك ثلاثة أشياء. تنطوي الإحصاءات على أخبار جيدة مثلما تنطوي على أخبار سيئة. العلاجات والأدوية تجعل “كوفيد-19” أقل فتكًا: وسوف تزيد اللقاحات والأدوية الجديدة قريبًا من هذه التأثيرات. ولدى المجتمعات اليوم الأدوات للسيطرة على المرض. ومع ذلك، فإنه هنا بالتحديد، في أساسيات الصحة العامة، حيث ما تزال العديد من الحكومات تخذل شعوبها. سوف يبقى “كوفيد-19” يشكل تهديدًا لأشهر، وربما لسنوات. ويجب أن تفعل الحكومات ما هو أفضل.
ولنبدأ بالأرقام. تعكس الزيادة في الحالات المشخصة في أوروبا الواقع الحالي، لكن التأثير العالمي يجيء نتيجة لإجراء اختبارات إضافية، والتي تلتقط الحالات التي كان يمكن تفويتها في السابق. وكما يوضح وتشير نمذجتنا إلى أن العدد الإجمالي للإصابات الفعلية قد انخفض بشكل كبير من ذروته التي تجاوزت 5 ملايين في اليوم في أيار (مايو). وكان إجراء المزيد من الاختبارات الإضافية أحد أسباب انخفاض معدل الوفيات الناجمة عن المرض. وإضافة إلى ذلك، تعاني دول مثل الهند، التي لديها متوسط أعمار يبلغ 28 عامًا، من وفيات أقل لأن تأثير الفيروس أسهل على الشباب منه على كبار السن.
كما يعكس انخفاض الوفيات التقدم الطبي. الآن يدرك الأطباء أن الأعضاء غير الرئتين، مثل القلب والكلى، تكون معرضة للخطر ويعالجون الأعراض مبكرًا. وفي أجنحة العناية المركزة البريطانية، كان 90 في المائة من المرضى يوضعون على أجهزة التنفس الصناعي في بداية الوباء. وفي حزيران (يونيو) أصبح 30 في المائة منهم فقط يوضعون عليها. وتقلل الأدوية، بما في ذلك ديكساميثازون، الستيرويد الرخيص، أعداد الوفيات في المرضى المصابين بأمراض خطيرة بنسبة 20-30 في المائة. وأصبحت الوفيات في أوروبا أقل بنسبة 90 في المائة مما كانت عليه في الربيع، على الرغم من أن هذه الفجوة ستضيق مع انتشار المرض مرة أخرى وعودته بين الفئات الضعيفة.
وهناك المزيد من التقدم على الطريق. قد تكون الأجسام المضادة وحيدة النسيلة، التي تعطل الفيروس، متاحة بحلول نهاية العام. وعلى الرغم من أنها باهظة الثمن، إلا أنها تعد بأن تكون مفيدة بعد إصابة شخص ما، أو وقائية بالنسبة للأشخاص المعرضين للخطر. ومن شبه المؤكد أن اللقاحات ستأتي في الأعقاب، ربما في القريب العاجل. ونظرًا لأن الأدوية المختلفة تستخدم خطوط هجوم مختلفة، فإن الفوائد يمكن أن تكون تراكمية.
ومع ذلك، في أفضل العوالم الممكنة، سيظل الوباء جزءًا من الحياة اليومية حتى العام 2021. وحتى إذا ظهر لقاح، فلا أحد يتوقع أن يكون فعالًا بنسبة 100 في المائة. وقد تكون الحماية التي يوفرها مؤقتة أو ضعيفة عند كبار السن الذين تكون أجهزتهم المناعية أقل استجابة. وسوف يستغرق صنع وإدارة مليارات الجرعات الكثير من العام المقبل. وقد تحتاج اللقاحات المبكرة أخذ حقنتين، وإلى توفير “سلاسل تبريد” معقدة للمحافظة على فعاليتها. ويمكن أن يكون هناك نقص في الزجاج الطبي. وقد تنشب معارك حول مَن يحصل على الإمدادات أولاً، ما يترك بركًا من العدوى لدى أولئك الذين لا يستطيعون شق طريقهم إلى مقدمة قائمة الانتظار. وتشير استطلاعات الرأي التي أجريت في دول عدة إلى أن ربع البالغين (بما في ذلك نصف الروس) سوف يرفضون أخذ المطاعيم -وهو سبب آخر لاحتمال استمرار المرض.
وهكذا، في المستقبل المنظور، سيظل خط الدفاع الأول ضد “كوفيد-19” متمثلاً في الاختبار والتعقب، والتباعد الاجتماعي والإعلام الحكومي الواضح. وليس ثمة غموض في ما ينطوي عليه هذا. ومع ذلك، تستمر دول مثل أميركا وبريطانيا وإسرائيل وإسبانيا في فهمه بطريقة خاطئة إلى حد كارثي.
تتمثل إحدى المشكلات في الرغبة بالهروب من المقايضة بين الإغلاق اللازم لإبقاء الناس على قيد الحياة وبين استمرار فتح القطاعات حتى تستمر الحياة. ويشيد اليمين بالسويد لأنها سمحت للفيروس بالعمل على هواه بينما تجعل من الاقتصاد والحرية أولوية. لكن لدى السويد معدل وفيات يبلغ 58.1 لكل 100 ألف، كما شهدت انخفاض ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 8.3 في المائة في الربع الثاني وحده، وهو ما كان في كلتا الحالتين أسوأ من الدنمارك وفنلندا والنرويج. وفي المقابل، يثني اليسار على نيوزيلندا التي عمدت إلى الإغلاق من أجل إنقاذ الأرواح. وقد عانت من 0.5 حالة وفاة فقط لكل 100 ألف، لكن اقتصادها انكمش في الربع الثاني بنسبة 12.2 في المائة. وعلى النقيض من ذلك، ظلت تايوان مفتوحة أكثر، لكنها شهدت 0.03 حالة وفاة لكل 100 ألف شخص وانخفاضًا بنسبة 1.4 في المائة في ناتجها المحلي الإجمالي.
تعد عمليات الإغلاق الشاملة، مثل الإغلاق الجديد في إسرائيل، علامة على فشل السياسة. فهي مكلفة وغير قابلة للاستدامة. وقد استخدمت دول مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية وتايوان الاختبارات الدقيقة وتعقب الاتصال لتحديد الأماكن المفردة للانتشار الفائق وإبطاء الانتشار باستخدام الحجر الصحي. وحددت ألمانيا المسالخ؛ واحتوت كوريا الجنوبية تفشيات للمرض في حانة وكنائس. وإذا كان الاختبار بطيئًا، كما هو الحال في فرنسا، فسوف يفشل. وإذا لم يكن تتبع الاتصال موثوقاً كما هو الحال في إسرائيل، حيث وقع العبء على عاتق أجهزة المخابرات، فسوف يعمد الناس إلى التهرب من التعقب.
يجب على الحكومات تحديد المقايضات الأكثر منطقية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية. إن أقنعة الوجوه رخيصة الثمن ومريحة وتعمل. ويجب أن يكون افتتاح المدارس، كما هو الحال في الدنمارك وألمانيا، أولوية؛ لكن فتح الأماكن الصاخبة وغير المأهولة مثل الحانات لا ينبغي أن يكون كذلك. وسوف تجد الحكومات، مثل بريطانيا، التي تنبح بسلسلة من الأوامر دائمة التغير التي يكسرها مسؤولوها بحصانة، أن مستوى الامتثال منخفض. وستكون تلك الدول، مثل كولومبيا البريطانية، التي تضع المبادئ وتدعو الأفراد والمدارس وأماكن العمل إلى وضع خططها الخاصة لتحقيقها، قادرة على إدامة الجهد في الأشهر المقبلة.
عندما ضرب “كوفيد-19″، فوجئت الحكومات وسحبت مكابح الطوارئ. واليوم، لم يعد لديها مثل هذا العذر. في الاندفاع نحو استعادة الحياة الطبيعية، تخلت إسبانيا عن حذرها. والاختبارات في بريطانيا لا تجدي نفعاً على الرغم من ارتفاع الحالات منذ تموز (يوليو). وقد ابتليت المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، التي كانت ذات يوم أكثر هيئات الصحة العامة احترامًا في العالم، بالأخطاء والقيادة السيئة والتشهير الرئاسي. ووقع قادة إسرائيل ضحية الغطرسة والاقتتال الداخلي. وما يزال الوباء بعيداً عن الانتهاء. وسوف ينحسر بالتأكيد، لكن على الحكومات أن تتمكن من استعادة السيطرة.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: The pandemic and the long haul: Why governments get covid-19 wrong

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock