أفكار ومواقف

الوباء ومخاوف الحريّة..!

كانت «القيود» و»الحظر» و»الإغلاق» و»الاحتجاز» من بين المفردات الأكثر تداولاً في خبرة التعامل مع فيروس كورونا. وغني عن البيان أن هذه الكلمات ومرادفاتها تنتمي إلى نقيض منطقة الحريّة. وهي تصف جميعاً، في السياق الراهن، الإجراءات التي تتخذها الحكومات في كل العالم لمحاربة الوباء. ومن المفارقات أن بعضاً من أنصار الحريّة المسجّلين يصفقون للحكومات ويحثّونها على المزيد من هذه الإجراءات.
وثمة آخرون يراقبون هذه التطورات بحذر. وفي حين يشيرون إلى المبرِّرات العملية للقبول بهذه التضحيات بالحرية، مؤقتاً كثمن يمكن قبوله لحفظ الحياة، فإنهم يعلنون خشيتهم من أن تحمل الحكومات السلطات الجديدة التي أخذتها لمواجهة الوباء إلى ما بعده، لتصبح جزءاً من «طبيعي جديد» يفرضه الوباء لفترة قادمة.
هذا النقاش طبيعي تماماً في المجتمعات والأنظمة الديمقراطية، حيث قطعت الحريات أشواطاً. لكن بعض مثقفينا يقتحمونه كأنداد، متقمّصين وهْم وجود حُريّات حقيقية يعتد بها في مجتمعاتنا، والتي ستقلصها الحكومات باستغلال حالات الطوارئ بسبب الوباء. لكن الحقيقة هي أننا لم نشهد وقتاً لم تستطع فيه الحكومات فرض سياساتها وقراراتها، في غياب المشاركة الشعبية، وحرية التعبير والرأي، والحياة السياسية النشطة والبرلمانات التمثيلية الحقيقية.
قد تستخدم حكومات الديمقراطيات – التي أخذت سلطات لم تكن لها سابقاً بسبب الوباء- هذه السلطات لتقييد التجمعات؛ وربما توقيف أفراد بموجب لوائح الطوارئ؛ أو فرض ترتيبات مالية أو عمالية؛ أو هيكلة تكوينات مختلفة بطريقة تُطبّع مركزية السلطة. وعلى سبيل المثال، تحدث أحد أبناء ترامب عن تضخيم الديمقراطيين أجواء الوباء لمنع والده من إقامة تجمعات انتخابية في إطار حملته لإعادة انتخابه.
لكن الحكومات في العالم غير الديمقراطي تفعل كل ذلك وأكثر منه تقليدياً وليست في حاجة إلى حجة الوباء أو غيره. لذلك، يمكننا استئناف حوارنا المنفصل الأكثر دنيوية، والذي تضيف إليه ظروف الوباء شروطاً مختلفة عن الغرب. وسيكون نقاش الحرية استمرارية لقضية مضنية حاضرة قبل الوباء، وأثناءه، وستظل حاضرة بعده.
لا يتعلق جوهر قضية الحرية لدينا بحرية التجول. إنها مسألة ترتبط بعلاقة جدلية تبادلية بمظاهر سوء إدارة الموارد، والفساد، وغياب المساءلة، وقمع حرية التعبير، واستبعاد الشعوب من المشاركة السياسية، والكثير من الاختلالات. وفي الحقيقة، تذهب مسألة التجول إلى الهامش بينما تشيع انطباعات إيجابية إزاء أداء الحكومات في مناطقنا، أنها تستخدم صلاحياتها القديمة – وليست المكتسبة حديثاً بسبب الوباء- لحماية أرواح مواطنيها هذه المرة. بل إن معظمها اختارت نهج الشفافية والتشاور النسبي، والالتفات إلى الفئات الأكثر ضعفاً بشيء من المساعدة. ويشجع هذا الواقع اقتراحات بأن تواصل الحكومات –لا أن توقف- هذه الاتجاهات الفريدة نسبياً، والتي تعرض نوعاً من التشارك مع المواطنين. ويُفترض أن تستكشف الحكومات إمكانيات التواصل مع مواطنيها وما يمكن أن ينجزه عمل الجميع معاً من موقع ركاب القارب الواحد.
يغلب أن تكون المصاعب الاقتصادية التي يضيفها الوباء محدداً جديداً للعلاقة بين المواطنين والحكومات، بما في ذلك مفهوم الحرية في علاقته الحتمية ببقية المتغيرات. قد تجلب البطالة المتزايدة واعتلال الاقتصادات احتجاجات شعبية، والتي ستتعامل معها الحكومات بالمزيد من القمع، أو تجريب الاحتواء. وقد تعجز حكومات مرة أخرى عن ابتكار شيء غير وصفاتها القديمة المتمثلة فقط في فرض المزيد من الأعباء المالية على مواطنيها وادعاء أن هذا علاج الاقتصاد. وقد يُستفاد حقاً من خبرة الوباء لتنشيط الحوارات الوطنية، ومعالجة النواقص، واعتماد الابتكار وروح التعاون، كما حدث مع محاربة الوباء.
سوف تظل مسألة الحرية، بالمعنى الأوسع من مجرد الحظر المنزلي، مطروحة كمطلب غير متحقق أساساً، بعد الوباء. ومع رفع القيود عن الحركة والعودة التدريجية إلى نوع من «الطبيعية» في معظم العالم، لن يعود التجوال هو الهم الأساسي.
سوف يكون المطلوب، على عكس الغرب، أن تحمل الحكومات روحية الشفافية والتشارك والابتكار التي جُربت في فترة الوباء إلى ما بعده، باعتبارها شيئاً تبين أنه ممكن التحقيق وشرط لا غنى عنه لنجاح أي مشروع.
سوف يكون تحرير النفسية الجمعية من واقع التهميش والانفصال عن الحكومات هو «الطبيعي الجديد» الذي يجب محاولته. وإلا فإننا سنكون فقط «كأننا يا بدرُ لا رُحنا ولا جينا».

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock