أفكار ومواقف

الوزَراء وكرز الفقراء..!

أجواء السجالات المحتدمة في أوساط المثقفين والساسة الذين أنعشتهم الأحداث السياسية ووجدوا ما يشتغلون به بعد الكسل الطويل، لا بدّ أن تذكّر برائعة القاص السوري زكريا تامر “أيها الكرز المنسي”. وفيها يرصد تامر تغيّر الناس بتغير مواقعهم، ويتعقب التلَوُّن المتأصل في تركيبة “الإنتلجنسيا”. ومع أن الحكاية نفسها تدور حولنا كل الوقت، فإن قدرة الفن على التكثيف وتركيز الانتباه، تدهشنا بإعادة اكتشاف ما كنا نعرفه ولا ننتبه إليه.
“الإنتلجنسيا”، كلمة روسية، تحيل إلى طبقة المشتبكين مع العمل الذهني الخلاق والمركب، والموجه أساساً نحو تطوير الثقافة ونشرها. وهي تضم المفكرين والجماعات القريبة منهم (الفنانين، المعلمين، وما شابه). وفي أحوالها العادية، تكون طبقة “الإنتلجنسيا” منحازة إلى جذورها الشعبية وتتبنى خطابها، لكنها سرعان ما تعتنق خطاباً مغايراً إذا انتقلت إلى الأعلى، منفصلة تماماً عن أصولها.
“شهقت ضيعتنا مدهوشة لمَّا علِمَتْ أن عمرَ القاسم قد صار وزيراً. وها هي ذي ضيعتنا يا عمر كما تركتها، وردة من طين، وعشباً أصفر، ونهراً من الأطفال الحفاة”. هكذا يبدأ الراوي في قصة تامر. ثم يعود بنا بالتداعي إلى بدايات عمر القاسم، المعلم المديني الذي عينوه أول الأمر في قرية، وبكت أمه خوفاً عليه من قذارة القرى وأمراضها، وتأست لعدم وجود قريب مهم يعيّن ابنها في المدينة.
وفي القرية، يصبح عمرُ القاسم صوت الفلاحين، ونصيرهم. ولا يستجيب لنصائح المختار بزيارة الآغا الذي يملك الأرض وما عليها لأن “اللباقة ضرورية، والآغا سينفعك”؛ ولا لنصيحة ضابط المخفر له بالكف عن السهر مع الفلاحين: “لا يليق بأستاذ مثلك أن يسهر معهم. معلم المدرسة شخصية محترمة”. وهكذا، يفسح القرويون لعمر مكاناً في قلوبهم وبيوتهم ويصبح واحداً منهم: “وعمَّ ضيعتنا الفرح، ورحَّبت بحرارة بذلك النبأ الذي أذاعه الراديو. إذن عمر القاسم صار وزيراً، فسبحان من يعطي دون أن يسأل، وصدق من قال إن من جدّ وجد”.
(ماذا يشتغل الوزير؟)؛ (تخصص له سيارة أحلى من أجمل بنت)، (ويقبض في آخر كل شهر معاشًا يتيح له أن يأكل خروفاً في كل يوم)، (وعندما يدخل إلى مبنى وزارته، يرتجف الموظفون خوفًا ويسلمون عليه، وكأنه عيسى النازل من السماء)، (ويأمر فيطاع. يقول للمطر انزل، فينزل)، (وإذا أمر الآغا، فهل يطيعُ الآغا؟).
هكذا يتساءل الفقراء المندهشون وهم يعتقدون بأن كل هذا الهيلمان أصبح في خدمتهم. ويقررون بعد نقاش إرسال “أبو فياض”، أكثر رجال القرية سناً وقدراً وصديق عمر، ليمثلهم في التهنئة. وبعد تشاور أيضاً، اختاروا الهدية: “أفضل هدية هي سلة من كرز ضيعتنا. أتذكرون كم كان عمر يحب كرز ضيعتنا، ويقول عن لونه الأحمر إنه تعبنا ودمنا”.
ثم جاءت النهاية: “أتى الباص (من دمشق). ونزل منه أبو فياض عابس الوجه، واجماً، وكانت إحدى يديه ما زالت تحمل سلة الكرز. تصايحنا بدهشة: (لماذا لم تعط عمر سلة الكرز)، (ألم تقابله)، (ماذا قال لك). ظل أبو فياض ساكتًا كأنه أصمّ، ووضع سلة الكرز على الأرض، وتكلم بصوت أجش، فقال للصغار: (تعالوا وكلوا الكرز، وعندما تكبرون لا تنسوا طعمه). ثم مشى متجهاً إلى بيته، فاعترضنا طريقه، وقلنا له: (تكلم، وأخبرنا بما حدث). قال أبو فياض: (عمر مات). فزعلنا كأن أمنا قد ماتت، بينما عاود أبو فياض السير وقد ازداد ظهره انحناء”.
ولا تخبرنا القصة عما إذا كان الآغا هو الذي نقل عمر إلى العاصمة ليتخلص منه، كما قال الأخير للفلاحين وهو يغادر، لكن الأمر قد يكون كذلك، على الطريقة المألوفة: “إذا كان مشاكساً وكثير الكلام، فخذه إلى صفك”. وفي غالب الأحيان، ينجح الأمر. وفي كثير من الأحيان يخرج كائن آخر من قُمقُم “الانتلجنسيا” إذا فتحوا عنه الغطاء، بهيئة ولسان آخرَين.
بطبيعة الحال، منصب “الوزير” الذي اختاره تامر، مجاز ينسحب على أي مرتبة أعلى في السلم الاجتماعي. ولا حلّ، لأنّ قصة هذا “القاسم” هي حكاية كل زمان ومكان. والأمر، بالقياس، خلل أصلي في الطبع البشري: الوزراء، لا يحبُّون، غالباً، كرزَ الفقراء!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock