تحليل إخباري

“الوصاية”.. موقف هاشمي ثابت لم يتغير

عبدالله الربيحات

في صدر سنوات الانعتاق من نير قرون التتريك المظلمة، وبعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وفي مطلع العقد الثاني من القرن الماضي بايع المقدسيون قائد الثورة العربية الكبرى وملك العرب الشريف الحسين بن علي ليكون وصياً على القدس بمقدساتها، هذا المفهوم بالوصاية لم تستطع مواثيق الأمم المتحدة بكل ما تم من تواطؤ في حينه على تجاوزه، فبعد صدور قرار التقسيم رقم (181) الصادر عن الجمعية العامة التابعة لهيئة الأمم المتحدة بتاريخ 29 تشرين الثاني 1947، والذي ينص على ( إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، مقابل إعلان تقسيم فلسطين ضمن ثلاثة محاور:
الأول دولة عربية بمساحة قدرت بـ(11,000 كـم2) وهو ما يمثل 42.3 % من فلسطين، والثاني دولة يهودية تبلغ مساحتها حوالي (15,000 كـم2) أي ما يقارب 57.7 % من فلسطين، فيما استثنيت الأماكن التاريخية في القدس وبيت لحم والأراضي المجاورة لتوضع تحت وصاية دولية.
هذا التقسيم المجحف كان يدرك مصمموه مدى خطورة الوضع التاريخي للأراضي المقدسة، فتم تحييدها ضمن خطة دولية، ليخرج زعيم العصابات الصهيونية المسلحة مناحيم بيغن في بث راديو في 30 نوفمبر 1947، والذي كان في ذلك الحين يوصف سياسيا بكونه أحد زعماء المعارضة في الحركة الصهيونية، عن بطلان شرعية هذا التقسيم الدولي، وأن كل أرض الميعاد والتي تشمل كامل فلسطين الانتدابية (بما في ذلك المملكة الأردنية الهاشمية) ملك لليهود وستبقى كذلك إلى الأبد.
بعد هذا التصريح الإرهابي الدموي من زعيم العصابات الإرهابية الصهيونية بأشهر خاض الأردنيون معارك القدس الخالدة تحت قيادة الملك المؤسس عبدالله بن الحسين. حروب طاحنة خاضها الجيش الأردني في باب الواد واللطرون وفيها تم تكريس حقيقة الوصاية الهاشمية، حيث قام الأردنيون بتوثيق ما تم توكيله للأباء والأجداد بالدم والبارود والنار.
وفي عام 1950 تم تأطير البيعة بالدستور بعد قرار توحيد الضفتين، لقد كان الملك المؤسس يرى خريطة العالم وتبدلاتها فكان عمله البطولي مع أبنائه من الجيش الأردني البطل مثار حنق أعدائه ليدفع ثمن هذا الوعي حياته ففي يوم الجمعة 20 تموز 1951، وبينما كان الملك عبدالله الأول يتفقد ما أوصي به من مقدسات وتحديداً في المسجد الأقصى في القدس ساعة أداء صلاة الجمعة تلقى رصاصات الغدر ليرتقي شهيداً على العهد ما فرط بأمانته حتى فارقته روحه، وليصادف وجود حفيده الملك الحسين بن طلال إلى جانبه وتلقى رصاصة أيضاً ولكنها اصطدمت بميدالية كان جده قد أصر على وضعها عليه، لتنتقل الامانة من الجد للحفيد. تصاعدت الضغوط الدولية على الأردن ووضع الأردن تحت مؤامرات إقليمية فرضت على الراحل الملك الحسين والجيش الأردني خوض حرب غير متكافئة في 1967، ومنذ 4 حزيران 1967، وقَعَت القدس تحت الاحتلال الإسرائيلي. ومن وقتها خاضت الدبلوماسية الأردنية معارك سياسية لتوثيق الحق الإنساني وكل الأديان بالعيش بسلام بعيداً عن صلف العنصرية الصهيونية، فكانت القرارات الأممية التي دعت إلى عودة الشرعية الدولية، ومن بينها قرار مجلس الأمن الدولي 242، وما تلته من قرارات أبرزها 252 و267 و446 و2334، وغيرها من قرارات مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، الدافعة إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلّتها، ومن بينها القدس، وبطلان الإجراءات الإسرائيلية الأحادية في الأراضي المحتلة،، بما في ذلك إقامة المستوطنات وتغيير وضع مدينة القدس وطابعها.
في العام 1994 وقّعت المملكة الأردنية الهاشمية واسرائيل اتفاقية السلام «وادي عربة»، والتي نصّت على بقاء المقدسات الإسلامية في القدس تحت الوصاية الهاشمية.
وفي 2013، وقّع الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع جلالة الملك عبدالله الثاني على «إعادة التأكيد على الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة، وأن جلالة الملك هو صاحب الوصاية على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس»
موقف هاشمي ثابت لم يتبدل دفع فيه الأردنيون والهاشميون طوابير من الشهداء ثمناً له في دفاع عن العالم الاسلامي والمسيحي ضد آلة الشر التي لم تتوان عن التخطيط لابتلاع الوضع الزماني والمكاني للقدس،
فيما لم يتبدل موقف الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في حمل ثقل الأمانة من منطلق ما حملها عليها الأجداد، حيث ينطلق الموقف الأردني الثابت من أن القدس الشرقية أرض محتلة، السيادةُ فيها للفلسطينيين، والوصايةُ على مقدساتها الإسلامية والمسيحية هاشمية، يتولّاها ملك المملكة الأردنية الهاشمية جلالة الملك عبدالله الثاني، ومسؤوليةُ حماية المدينة مسؤوليةٌ دولية وفقاً لالتزامات الدول بحسب القانون الدولي والقرارات الدولية.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock