فكر وأديان

الوصية الواجبة والجدل الديني

د. أحمد ياسين القرالة

حسمت الجلسة المشتركة للنواب والأعيان الجدلَ المجتمعي الذي ثار حول شمول أبناء البنات بالوصية الواجبة، وما أود الحديث عنه هنا هو طريقة تناول البعض لهذا القضية والتأجيج الديني الذي صاحبها واعتبار المطالبة بشمول أبناء البنات بالوصية اعتداءً على أحكام الميراث وإخلالاً بها، مع أن الوصية الواجبة ذاتَها هي أول من اخترق قواعد الإرث وفتح فيها ثغرةَ التغيير والتبديل تحت ستار الوصية مهما حاول المتحمسون لها تسويقها وتسويغها، وبيان ذلك في الملاحظات الآتية:
الملاحظة الأولى: تعتبر الوصية الواجبة الواردة في نصوص القانون أقربَ للإرث منها للوصية، وهي لا تتفق معها إلا في كونها في ثلث التركة، وما عدا ذلك فهي كالميراث تماماً من حيث ثبوتها تلقائياً بمقدار نصيب الأب لو فرض حياً دون حاجة إلى قبول، كما أنها لا ترتد برد الموصى له، يأخذ فيها الذكر مثل حظ الأنثيين ويحجب كل أصل فرعه، بل هي أقوى من الميراث وآكد منه من حيث أنها تثبت في حالة وفاة الوارث والمورث في لحظة واحدة المادة (279)، مع عدم ثبوت كل من الميراث والوصية في هذه الحالة المادة (282) والمادة (272) ، وهي مقدمة على الوصية الاختيارية في الاستيفاء الفقرة هـ المادة (279)، والميراث لا يتقدم على الوصية إذ “لا تركة إلا بعد سداد الديوان وأداء الوصايا”؛ لقوله تعالى:” مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ”.
الملاحظة الثانية: في الوصية الواجبة اعتداء على جميع الإرادات وفي مقدمتها إرادة الشارع حيث أعطت بعضاً من حصة الوارث لغير الوراث، وهذا مخالف لما هو ثابت شرعاً إذ لم يثبت في تاريخنا الإسلامي بكافة عصوره العمل بهذا القول مع وجود المقتضي له، فهل جاءت هذا الوصية لتكمل ما نقص من الدِّين؟
أول من شرّعن هذه الوصية وعمل بها هو قانون الوصية المصري رقم 71 لسنة 1946م في المادة (76) وما يليها، ولم يستند في ذلك إلى نص صريح أو قول فقهي معتبر يوجب الإلزام بها، والوجوب الذي ذهب إليه ابن حزم ليس هو الوجوب القانوني الذي تجاوز إرادة كل من الوارث والمورث بل هو الوجوب العيني على ذات المورث، فالوصية الواجبة في أصلها نص قانوني وليست اجتهاداً فقهياً لأي مذهب من المذاهب الإسلامية، ولست أدري كيف ستطبق على موادها المادةُ (324) التي تقول: ويرجع في تفسيرها واستكمال أحكامها إلى المذهب الذي استمدت منه.
و فيها افتئات تام على إرادة المورِّث التي احترمها الشارع وجعلها مقدمةً على الميراث، حيث جعل القانون الوصيةَ الواجبة مقدمةً على وصيته الاختيارية الفقرة هـ المادة (279)، وفيها اعتداء على إرادته في مقدار ما أعطى فإذا أوصى الجد لأحفاده بمقدار معين أو أعطاهم حال حياته مالاً دون مقابل فقد أوجب القانون تكملة ذلك بمقدار حصة أبيهم من الميراث على أن لا يتجاوز ثلث التركة الفقرة ج المادة (279).
وفيها تعد على إرادته فيمن أعطى فإذا أوصى لبعض أحفاده دون بعض فالقانون يجعلهم شركاء في تلك الوصية الفقرة ج المادة (279)، فالقانون لم يكتفِ بأن أخذ من حصة الوارثين فأعطاها لغير الوارثين وإنما أخذ من حصة الموصى له ليعطيها لغير الموصى له، مع أن وصية الجد للبعض دون البعض لا بد وأن تكون لحكمة مِن مرض أو فقر أو بر وغيرها.
وفيها اعتداء على إرادة الموصى له التي جعلت الموصى به يدخل في ملكه دون إرادة منه كالميراث، مع أن الوصية لا بد فيها من رضا الموصى له أو عدم رده على الأقل المادة (257).
الملاحظة الثالثة: الوصية الواجبة اعتداء على الحقوق المالية للآخرين إذ أنها تعطي بعضاً من نصيب الوارث لغير الوارث، وتعطي بعضاً من نصيب الموصى له بالوصية الاختيارية من غير الأحفاد لأصحاب الوصية الواجبة، وتعطي نصيباً من الحصة الموصى بها لبعض الأحفاد بالوصية الاختيارية لغيرهم من الأحفاد بالوصية الواجبة.
الملاحظة الرابعة: لم تميز الوصية الواجبة بين غني وفقير فقد تعطي الأحفاد الأغنياء من حصة أعمامهم الفقراء الذين قد يكونون صغاراً لا عائل لهم، وتؤدي في حالات معينة إلى أن يأخذ الحفيد استثناءً بالوصية أكثرَ مما يأخذه الوارث أصالةً بالميراث.
فهل بعد هذا كلِه نقول إن الوصية الواجبة من الدِّين وأن المطالبين بشمولها لأبناء البنات خارجون عن حدود الدِّين وذو أجندات خارجية وتوجهات مشبوهة؟!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock