أفكار ومواقف

الوطن للجميع وليس للمتسلقين والرماديين

بات في هذه الأيام يختلط الحابل بالنابل، لدرجة اننا اصبحنا بحاجة للتدقيق أكثر من قبل أن نشكل رؤية أو موقفا، ولأن المشهد العام سريالي، لا يمكننا البت بصدقية هذا وذاك، فالأمور متباينة والرؤى غير واضحة حتى اننا قد نلحظ غياب أصحاب مواقف عن المشهد لأنهم يشعرون أن لا مكان لهم في زحام كل تلك الرؤى والمواقف التي يقدمها البعض الذين لم يكن لهم مواقف أو رؤى في أوقات سابقة وكانوا يغيبون عن المشهد في كل منعطف، ولم يسبق لمن يرفعون راية أصحاب الصوت العالي حاليا أن كان لهم رأي معارض.
إذا نحن اليوم في حالة يمكن ان تكون أشبه بما يمكن أن نطلق عليها تلاطم أمواج، فلم نعد نميز بين المواقف والرؤى، إذ لا يمكن أن نقتنع بخطابات البعض ونحن نراهم يقفزون من موقف لآخر بسهولة ودون أدنى تفكير، ولا غرابة أن يقفز البعض ليرموا أشجارا مثمرة بحجارتهم، فهم يعتقدون أن الفرصة سانحة رغم معرفتهم انهم مهما حاولوا لن يستطيعوا اقناع المتلقي برؤيتهم.
أصحاب اللاموقف، يبنون مواقفهم على مصالحهم الضيقة، فهم من نسمع زعيق بعضهم عبر صفحات التواصل الاجتماعي ونراهم ينخرون في عظم الوطن لان مصالحهم تضررت أو لأن التغيير الحكومي أو التعديل أو التعيين تجاهل ابن قريتهم أو منطقتهم أو عشيرتهم، والمؤسف أن حالة اللاموقف الحكومي هي التي لعبت دورا سلبيا في الوصول إلى ما نحن فيه اليوم، فالحكومات – مع الأسف – تنساق وراء أصحاب الصوت العالي، ونراها تحرص على تطمينهم والتقرب منهم، وتحقيق مصالحهم الخاصة التي يريدونها، فيما لا تسمع الحكومات للمعارضين الحقيقيين الذين يمتلكون رؤية وبرنامجا وهدفا، ونراها تغلق الأبواب في وجههم وتفتحها لأصحاب أصوات عالية يعارضون إذا تعارضت مخططات الحكومة مع مصالحهم ويطبلون ويغنون للحكومات ويدافعون عنها عندما تحقق الحكومات مصالحهم.
لو دققت الحكومات قليلا لعرفت يقينا ان الانجع لها صم الأذن عن أولئك الناس، وتركهم يتحدثون عبر حائطهم الأزرق لوحدهم، وفتح قنوات حوار جدية وحقيقية مع أولئك الذين يملكون خطا ثابتا في مسيرتهم ويطرحون برامج قد تتفق معها الحكومة أو تختلف، ولندع الحوار هو الذي يحكم على برامج أولئك وليس من خلال الهجوم عليهم دون الاستماع لهم.
لو تحقق ذلك فاننا سنرى أصحاب الصوت العالي والمنقلبين والوصوليين يهاجمون أصحاب الفكر والموقف والرؤية لأنهم يعرفون تماما أن الزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض وهم في قرارة أنفسهم يعرفون يقينا انهم زبد لا فائدة منهم ولا رؤية لديهم، وإن مسعاهم هو إدامة مصالحهم ومواصلة الاستفادة من هذا الوطن كلما سنحت لهم الفرصة.
الحكومة أو أي حكومة مستقبلية عليها أن تعرف أن التواصل مع أولئك الرماديين لا يفيد، وتقتنع أن عليها فتح حوار حقيقي وجاد مع أصحاب الرؤى الثابتة والمعارضين وأصحاب الرؤى والبرامج والأحزاب بكل تلاوينها ومؤسسات المجتمع المدني كالنقابات، والاستماع لوجهات نظرهم بشفافية، والتفكير سويا في الطريق الصحيح لاخراجنا من عنق الزجاجة، وهذا يتطلب أن لا يكون لدى الحكومة خطوط حمراء وأمور مكشوفة واُخرى مخيفة، الشرط الوحيد أن تقتنع الحكومة بالحوار وجديته، وان لا يكون حوارها حوار طرشان دون هدف، وتؤمن أن السياسة الاقتصادية لها وللحكومات السابقة هي التي أوصلتنا كوطن لما نحن فيه من عجز وفقر وبطالة وتضخم، وآفات اجتماعية.
الأمر بحاجة لثورة حكومية بيضاء لا نضع فيها خطوطا حمراء ضد أحد ولا نترك لبعض المؤسسات التدخل في سير عمل أي حوار وتنفيذ ما سيخرج عنه، وبالتزامن ترك أولئك المنتفعين الذين يعارضون ويوالون الوطن حسب مصالحهم، على الرف ووضعهم في زاوية لكي يرى الجميع حقيقتهم، فالحوار مع مؤسسات المجتمع (نقابات وأحزاب ومجتمع مدني) هو الأساس، وعلينا الإيمان أن المعارضين الحقيقيين لديهم رؤى يتوجب الاستماع لها، وترك أصحاب الصوت العالي في زواياهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock