أفكار ومواقف

الوعظ لا يغير في العميق

ما دام الوعظ، كما تعلّمنا وعلّمنا، لا يُغيّر، فما الذي يغيّر إذن؟ أي إذا أردنا أن نُنشئ جيلاً قائداً أو جيلاً مخترعاً أو جيلاً منتجاً فهل نلجأ إلى الوعظ؟ هل نقول لهذا الجيل صبح مساء: عليك أن تكون مخترعاً أو قائداً لأنّ هذا أفضل لك ولبلدك مثلاً؟ أم علينا أن نسلك طريق التحليل والتركيب والاستنتاج والنّقد وإطلاق حرية التفكير والتّعبير؟ هل إن العظة في الكتاب المدرسيّ وعلى اليافطات وفي وسائل الإعلام تصنع مخترعة أو كاتباً عظيماً أو مديرة استثنائيّة؟ من المؤكّد أنّ الجواب لا. فبعبارة أخرى، إنّ المنطقة التي تعمل فيها المواعظ ليست هي التي يعمل فيها العقل؛ العقل الذي يفكّر وينقد ويحلّل ويقارن ويستنتج ويجرّب ويغامر ويختبر ويعدّل.
فالوعظ -كما قلنا من قبل- يعمل في منطقة العاطفة والوجدان. وهي ليست منطقة مذمومة لبناء روح الإنسان. إذ العاطفة جزء لا يجوز إلغاؤه ونحن بصدد إعداد أجيال وتجهيز شعوب، وإلا تحوّل البشر إلى أرقام وبيادق في رقعة شطرنج، وهو تماماً ما عادته الشيوعيّة في تطبيقاتها المعروفة، حيث كان البعد الوجداني المتمثّل في الدين محاصراً وموضع اتّهام. غير أنّ مخاطبة العاطفة ستكون كارثة على البشريّة إن اقتصرت على أداة وحيدة هي الوعظ والمواعظ. ففي ظلّ تحريم تامّ لأشكال الفنون وهجوم شرس على أهل الأدب، ستخلو ساحة العاطفة مما يخاطبها ويفعل بها. وستكون اللغة المباشرة ولغة التهديد والوعيد ولغة الترغيب هي وحدها التي فيها مسٌّ يسيرٌ من بلاغة الصورة والمجاز. بينما تصبح الروايات وكتب الشعر والفلسفة واللوحات والتماثيل والأفلام والأغاني والمسرحيات من صنع عصر غابر حرّمته المواعظ وكفّرته! وتحلّ محلّها المهرجانات الحماسيّة والخطب العصماء والفنّ القبيح والغناء المؤدلج (إن سُمح به)، وكتب الأدعية!
ولو كان الوعظ وحده يكفي لريّ عطش الوجدان، لكان ذلك إنجازاً عالمياً يوفّر اقتصاداً مريحاً لدول أنهكتها الديون! ولكنّه لا يكفي! بل إنّه لا يفعل فعله في التّوجيه إلا بعد أن تكون عوامل أخرى قد أتت على روح الفرد والجماعة، وأنهكت آمالها وأطفأت شعلة الوجدان التي لا يحفظها إلا الفن والأدب والفكر الحرّ. ولذا تنتشر البشاعة فالتوحّش في كلّ شيء لدى من يناصب الفنون العداء.. بشاعة وتوحّش لا يتوقفان عند المظهر فحسب، بل يتجاوزانه عميقاً إلى منابت الروح والعقل والقلب. ويأتي الوعظ بعد ذلك ليستلم جثّة هامدة، لا تناقش ولا تحاجج ولا تعترض.
وإلا فكيف ينجح الوعظ في استكمال دورة الخراف ودورة القطيع في ثقافتنا الراهنة، بينما لا يجد لنفسه موطئ قدم هناك (إلا في دور العبادة)؟ وأقصد بهناك بلاد العلم والتقدّم التكنولوجي والرفاه. لمَ بعد كلّ إنجاز علميّ باهر، أو قبله، لا يقف العالِم المبدع ويقدّم موعظة عاطفيّة تدمعُ لها العيون في فضيلة العلم على الجهل؟ أو في أنّ هذا الاختراع أو ذاك أو هذه الحقيقة العلميّة أو تلك قد ورد ذكرهما في الكتاب المقدّس؟ ولو حدث ذلك فمَن من أهل العلم والبحث والفكر والمعرفة والثقافة، بل وأواسط الناس، سيتقبّل ذاك؟ إنّ مجرّد مناقشة المبدأ الذي يقوم عليه التفسير العلميّ للقرآن الكريم عندنا، يضعك وعقيدتك موضع اتّهام بعدائك للدين وعبثك بآيات الله! وهي تهمة جاهزة كمقصلة فوق كلّ رأس يفكّر أو ينتقد.
وأخيراً، إنّ المواعظ لا تغيِّرُ، وفي أحسن الأحوال، غير السّطح؛ فتغيّر في المظهر وفي الملبس، وفي مفردات التحيّة والسلام، وفي المصافحة أو عدمها، وفي التهنئة أو حجبها (عن أهل الكتاب مثلاً بحسب الفكر الداعشيّ!)، وفي التسلّط على النّساء، وفي التزام العبادات على فقه فلان دون فلان، ولكنّ الوعظ لا يشتغل أبداً في العميق. لا يؤثّر في تغيير الأخلاق، ولا في بناء القيم الإنسانيّة العالية، ولا تحفيز الناس على العمل والإتقان، ولا في تنمية الضّمير. بل هو ليس معنيّاً أساساً بهذه الهموم، لأنّه ليس سوى أداة سهلة من أدوات التّرويج الأيديولوجيّ الذي يتوخّى أناساً تعمل عقولهم عكس منطق التاريخ، وعكس منطق الحياة… وفي مراحل الذلّ القومي والانحطاط هذا ما يحصل!
ألا إنّ الأمل لن يحيا إلا بالتفكير وإعمال العقل، لا بالمواعظ التي تُخدّر لتُجهِز…!

تعليق واحد

  1. نريد الأمن والحرية التي تعرف حدودها
    سيدتي الكريمة ، سينقضي وقت طويل .. بل ربما طويل جدا ريثما يمكننا اعادة "ترميم" النظرة التي يرمقنا بها العالم المتحضر ويمقتنا لما أسفر عنه الوعظ المبطن المظلم الذي أحل القتل واستعبد الناس وظلم المرأة وحرم البشر من الآمان والتفاؤل . البعض منا أساؤوا لنا أكثر من الغير وجعلوا منا عرضة للتهكم والسخرية والكراهية والاشمئزاز كقبائل بدائية متخلفة متحجرة تعيش للقتل والسرقة والجنس ولاتعرف عن مضمون الانسانية والحضارة شيئا . ان المفاهيم التكفيرية الظلامية تعصف بمجتمعاتنا وتفكك نسيجنا الاجتماعي وتنشر الرعب حيث يرتعد كل فرد ممن حوله وقد كثر من يدعون السعي لتطبيق مايريده الله والله منهم براء فهم يمعنون بالاساءة اليه بتكفيرهم غيرهم ويدفعون للتساؤل ان كان غيرهم مكتوب عليه العذاب والذهاب الى جهنم حتى قبل أن يولد فلماذا تم خلقه ؟ لكل فرد في مجتمعنا الانساني الحق في أن يعيش ويعمل ويتعلم ويحظى بفرصة عمل ويكون أسرة بغض النظر عن دينه ولونه ومذهبه وجنسيته . الدين أتى ليهذب الأخلاق وليس لاثارة الكراهية وتلقي فنون جز الرقاب والأطراف ورجم النساء واستعباد الأقليات . في الحقيقة أن الخجل يعصف بالمثقفين منا حين نرى الأمم الأخرى في سباق محموم الى الفضاء وتطوير أساليب رفاهية ورقي الانسان في حين يشغل البعض منا بعضا من أمور عفى عليها الزمن ونفضها البشر ورفضها العقل والمنطق . نريد أمانا عند مسيرنا بالطرقات ، نريد قوانين توقف هؤلاء الذين يستفزون نساءنا المحتشمات اذا لم يرتدوا ملابس تتطابق مع مفاهيمهم رغم ان نساءنا تخرجن من جامعات في حين استنزفتهم الأزقة والشوارع المظلمة وهم يتلصصون على البيوت والأعراض . نريد اطمئنانا لعودة بناتنا بآمان من مدارسهن وجامعاتهن دون أن يخدش حياءهن أصحاب العاهات العقلية في الطرقات . نريد أن نحيا بوطن نحب به بعضنا البعض ويحافظ الجار على الجار ولسنا بحاجة لمن يطرق أبوابنا متقصيا أسباب عدم حضورنا ركب الجماعة ؟ نريد من أصحاب القرار ايقاف نافثي السم في القلوب والظلمة في العقول . نريد من بيوت العبادة بيوتا للمحبة والألفة واحترام الغير لا منابرا لبث الكراهية والرعب والادعاء بحماية الخالق من تجاوزات الخلق ؟ نريد الحرية التي تعرف الحدود وأن يفهم الظلاميين بأن ليس لهم الحق في فرض رأيهم ومعتقدهم على الغير وأن القانون يعاقب من يتجاوز حدوده .. فهل من يسمع وهل من يستجيب ؟

  2. إن الذكرى تنفع المؤمنين
    لقد وجهت الكاتبة الفاضلة برؤيتها الثاقبة البوصلة اتجاهها الصحيح وأؤكد هنا أن غاية الرسالة السماوية السمحة لم تكن الوعظ بل التذكير وتنبيه الغافلين إذ حدَّد الله سبحانه والعالم بشئون عباده مهمة الرسول الكريم بقوله : فذكِّر إن نفعتْ الذكرى سيذكَّر مَن يخشى (يخشى الفشل والخسران والهزيمة ) ويتجنبها الأشقى ( بأنانيته ودعواه وعنجهيته) الذي يصلى النارَ الكبرى ( نار البعد والحرمان والعمى والتخلف والسقوط إلى قاع الحضيض ) ثمَّ لايموت فيها ولا يحيا . قد أفلحَ مَن تزكَّى .

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock