أفكار ومواقف

الوعي بالنظام العالمي الجديد

لم تكن السياسة الخارجية يوما أكثر أهمية في بناء النجاح على الصعيد المحلي. حيث يعتمد رخاؤنا على كون بريطانيا أكثر انفتاحا؛ منفتحة أمام الاستثمارات الجديدة والتجارة، ومفتوحة أمام مواطنين وأفكار جدد. ويعتمد أمننا على معالجة الاضطرابات والظلم في الداخل وفي الخارج، والتعاون مع الدول الأخرى في مجالات الإرهاب والهجرة والجريمة المنظمة. ويعتمد هدفنا الرامي لتمكين المواطنين على الاتفاقيات والمؤسسات العالمية لمعالجة المشاكل العالمية إلى جانب المزيد من المساءلة محليا بالنسبة للقضايا المحلية. يجب أن تكون السياسة الخارجية قوة دافعة للخير بالنسبة لبريطانيا وللعالم. فالاثنان مرتبطان ببعضهما بعضا. لكن التوزيع الجديد للقوى يتطلب دبلوماسية جديدة.


كانت مخاوفنا الأمنية خلال غالبية القرن الماضي تتعلق بالقوة المفرطة والتوسعية للدول. أما اليوم فإن بعضا من أكبر التهديدات تطرأ في الدول الضعيفة للغاية؛ في الدول المنهارة أو المفككة. وفي الوقت نفسه، شهدنا عودة الصين والهند وروسيا للنهوض. وفي غضون 20 عاما ربما تكون القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية أكثر انتشارا جغرافيا مما كانت عليه منذ انحدار الإمبراطورية الصينية في القرن التاسع عشر.


لهذه التغيرات في القوى تأثير على كيفية تنفيذنا للسياسة الخارجية. يعتمد تأثيرنا في العالم على أربع أدوات أساسية. أولها هو القيادة الفكرية: “الفوز بمعركة الأفكار”. هذا يعني أن نكون واضحين بشأن المبادئ: على سبيل المثال، رفض الاتهام الباطل بأن سياستنا الخارجية تستهدف مجموعة محددة من الناس أو الدول. إننا على حق مثلا بأن نجادل بشأن كم هو ملحّ التوصل لحل وجود دولتين في الشرق الأوسط. لكننا نفعل ذلك لأن هذا صحيح، لا لإرضاء تنظيم القاعدة.


كما يجب أن نكون واضحين بشأن القيم. فعلى سبيل المثال، الاتفاق على “مسؤولية الحماية” في القمة العالمية لعام 2005 كان بداية مرحلة جديدة وهامة في الجدل بشأن العلاقة ما بين حقوق الإنسان والسيادة الوطنية. والقيادة تعني الوضوح بشأن الحقائق والبراهين، وهي من قبيل تأثير التغير المناخي على الاقتصاد والأمن القومي.


والأداة الثانية هي التأثير ضمن المؤسسات والشبكات. فعمل بريطانيا بمفردها لا يحمل بين طياته القوة أو الشرعية اللازمة لإحداث التغيير. لكن عملنا مع الآخرين يمكن أن يكون له هذا التأثير. يتعين على بريطانيا استغلال قوتها كمركز عالمي من الناحية المالية والثقافية والسياسية.


إن اتخاذ إجراء متعدد الأطراف لا يعتبر خيارا بسيطا. فلننظر إلى أفغانستان؛ بلد يمثل هدفنا المزدوج لحماية أمننا القومي وتعزيز حقوق الإنسان. تتواجد قواتنا هناك ضمن عملية ينفذها حلف شمال الأطلسي، مدعومة بتكليف من الأمم المتحدة. ويدعم العملية العسكرية استراتيجية شاملة تضم استثمار الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في المساعدات التنموية والإنسانية.


كما أن تعدد الأطراف ليس بديلا للحاجة لوجود علاقات ثنائية. فمن الناحية العملية، يتطلب اتخاذ إجراء متعدد الأطراف مشاركة القوى الأساسية في العالم. تعتبر الولايات المتحدة الشراكة الوحيدة الأكثر أهمية بالنسبة لنا لأسباب تتعلق بالقيم، وكذلك لأسباب الواقع السياسي. فالولايات المتحدة هي أكبر اقتصاد عالمي، ولديها أكبر قدرة على تطوير أي دولة في العالم عبر مشاركتها، سواء في عملية السلام في الشرق الأوسط أو تغير المناخ أو التنمية الدولية. ولهذا السبب فإننا نرحب بالتزام الرئيس بوش بإعطاء الأولوية للمفاوضات السياسية على المدى الطويل لأجل التوصل إلى حل وجود دولتين، إلى جانب الدعم الإنساني على المدى القصير للحكومة الفلسطينية بقيادة الرئيس عباس ورئيس الوزراء فياض.


يحاول البعض مقارنة علاقتنا بالولايات المتحدة مع وضعنا في الاتحاد الأوروبي. ربما تعتبر بريطانيا الولايات المتحدة أقرب حلفائها، لكن يتعين عليها النظر إلى ما هو أبعد من أصدقائها القدماء وباتجاه لاعبين جدد في العالم، حيث تتوالى على القوى قيادة تلو أخرى. يوجد لدينا اليوم حلفاء دائمون كالولايات المتحدة، كما أننا أعضاء ملتزمون في الاتحاد الأوروبي. لكن الاتحاد الأوروبي ليس علاقة ثنائية  بل نحن أعضاء في الاتحاد الأوروبي. هذه العضوية هي ميزة من الناحية الاقتصادية، حيث إنها تؤمِّن الأسواق وتحدد المعايير. وهي هامة في مجال مكافحة الجريمة. وتحتاج لأن تكون ذات أهمية في السياسة الخارجية كذلك، لا أن تكون بديلا للدول الأعضاء، بل أن تعبِّر بشكل أفضل عن الالتزامات المشتركة للدول الأعضاء.


والأداة الثالثة – المتمثلة بالحوافز والعقوبات – تعتبر قوة أكثر شدة. يوحي التاريخ بأن جاذبية العضوية في “أندية” من قبيل الاتحاد الأوروبي ومنظمة التجارة العالمية وحلف شمال الأطلسي هي جاذبية قوية.


وهناك رابط بين فوائد التجارة الحرة أو الحماية العسكرية وبين الدول التي تتبع النظم والقواعد. إنني من أشد المؤيدين لمحادثات انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي. إن إمكانية العضوية في الاتحاد الأوروبي كانت بمثابة جسر لتركيا. فخلال السنوات الأخيرة قامت بنبذ عقوبة الإعدام وتحسين حقوق النساء والأقليات.


كما أن هناك حاجة لوجود مجموعة متوازنة من الحوافز والعقوبات لممارسة الضغوط على دول ومناطق معينة. لإيران كل الحق بأن تكون دولة آمنة وغنية، لكن ليس من حقها إطلاق سباق التسلح في الشرق الأوسط أو تقويض استقرار الدول المجاورة لها. لهذا السبب فإننا نتبع استراتيجية ثنائية المسار؛ فنحن نستمر بمناقشة المزيد من العقوبات مع المجموعة الأوروبية الثلاثية + 3، وهو تحالف دولي تشكل لمواجه المخاوف بشأن برنامج إيران النووي. وبموازاة ذلك، وعبر المجموعة الأوروبية الثلاثية + 3، نعرض حزمة شاملة من الحوافز، بما فيها المساعدة في برنامج للطاقة النووية المدنية وتدابير لدعم دخول إيران في الأسواق ورؤوس الأموال الدولية.


إلا أن هناك أحيانا أوقاتا يلزم خلالها أن تجتمع أداة رابعة مع الحوافز والعقوبات، أو أن تحل محلها: وهذه الأداة هي التدخل المباشر.


كان ذلك ملائما في كوسوفو عام 1999 لمواجهة التطهير العرقي الرهيب الذي كان يجري هناك. وتقريبا بعد ذلك بعقد من الزمان من الصحيح أن الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي يعملان معا لنشر قوة معززة في دارفور لحماية المدنيين الضعفاء هناك، كما أنه من الصحيح أن يعمل الاتحاد الأوروبي تحت قيادة فرنسية على نشر قوة عسكرية مصغرة على الحدود بين تشاد ودارفور. وفي العراق كان رئيس الوزراء قد أوضح بأننا سوف ننجز التزاماتنا الدولية تجاه الشعب العراقي، ونحن عازمون على ذلك. وبينما نمضي بهذه المقترحات، نحتاج لأن نستفيد من الخبرات والحكمة الكامنة في الدوائر الدبلوماسية التقليدية وخارجها.


إن كنا سننجح في أي شيء، يجب أن ننجح في معالجة التطرف والإرهاب، وبناء اتحاد أوروبي يكون قوة للخير ضمن حدوده وخارجها، وتشكيل التوجه العالمي نحو التحول إلى الرخاء مع خفض نسبة انبعاث الكربون.


تعتبر وزار ة الخارجية البريطانية مصدر قوة عالمية فريدة. لكن يجب الجمع بين الدبلوماسية وغيرها من المزايا في جميع أركان الحكومة: المساعدات والتجارة والمؤسسات المالية والتدخل العسكري.


الدبلوماسية الجديدة هي دبلوماسية عامة إلى جانب كونها خاصة، شعبية إلى جانب كونها للنخبة، مباشرة إلى جانب كونها نقاشية. ويجب أن نعكس ذلك في كيفية تناولنا للأمور.


أولئك منا من الملتزمين بالتواصل مع العالم يواجهون أسئلة كبيرة. إننا نواجه التشكك والإيمان بالقضاء والقدر. وقد كان جون إف كنيدي على حق حين قال بأن السياسة الخارجية يجب أن تستند إلى “النموذجية بدون الأوهام”. ليس لديَّ أي أوهام فيما يتعلق بالتحديات والصعوبات. لكن مازال هناك نموذجية، وفوق كل اعتبار هناك قدرة بريطانيا على أن تكون مركزا عالميا للحوار واتخاذ القرارات بشأن القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الكبيرة التي نواجهها.


وزير الخارجية البريطاني

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock