أفكار ومواقف

الوفاق الدولي.. على حساب من؟

هل تعود سياسة الوفاق الدولي من جديد؟ وهل ثمة المزيد من الفرص للتوازن في أداء القوى العظمى، ما قد يشير إلى دخول العالم، بالفعل، إلى نظام عالمي وأمني جديد؟
تُقدم تحولات الشرق الأوسط الأخيرة الشاهد والدليل تلو الآخر على هذه الخلاصة. وعلينا أن نلاحظ كيف جرت التفاهمات حول الأزمة السورية، بعد أكثر من عامين من الصراع الدولي والاقتتال الداخلي، حيث لا تقود تفاهمات الكبار تلك إلى أي جديد على ساحات الاقتتال الداخلي. والأمر ذاته يبدو في حالة التوافق النادرة التي تقود في هذا الوقت إلى الانفراج في ملف السلاح النووي الإيراني، والعلاقات الغربية الإيرانية.
بالطبع، ليس الاتحاد الروسي هو ذاته الدولة الرخوة التي وقعت في العام 1994، اتفاق الشراكة من أجل السلام مع حلف “الناتو”، والذي كان يعني فيما يعني شكلا من أشكال التبعية؛ بل ما يحدث اليوم يُذكّر بالحالات المحدودة لمراحل التوافق الدولي بعد الحرب العالمية الثانية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، والتي قامت على الندية والتوازن الدقيق.
بدأت سياسات إبراز الذات الوطنية الروسية منذ نهاية التسعينيات، واتضحت في الحقبة الأولى من حكم الرئيس فلاديمير بوتين، وتأكدت في التصدي لكل محاولات الاحتواء، ووقفت في وجه سياسات الولايات المتحدة الساعية إلى الوصول إلى بترول بحر قزوين. وعلى الرغم من أن روسيا تبنت منذ العام 2001 التوافق مع الولايات المتحدة حول الحرب على الإرهاب، إلا أنها بقيت حتى في هذا الملف حذرة، وأعادت تكييف سياساتها بما يتوافق مع معايير بناء الوطنية الروسية الجديدة. وهو الأمر الذي تكرر في اتفاقية الحد من الأسلحة النووية بين روسيا وأميركا في ريكيافيك عاصمة آيسلندا في العام 2002.
اليوم، تسير سياسات التهدئة والوفاق الدولي بخطى سريعة وواثقة. لكن السؤال الذي سيبقى: على حساب من؟ العالم يبحث عن تهدئة سياسية على مختلف الجبهات، وثمة رغبة مشتركة تقودها القوى الكبرى في تجنب الدخول في أحداث كبيرة أو أزمات مفاجئة، فالكل ينتظر. سياسياً، هناك حالة من توازن الضعف تسود العالم، بفعل موجة العسكرة الهائلة التي لم تمارسها الولايات المتحدة وحدها على مدى عقدين، بل مارستها أيضا روسيا والصين وبعض الأطراف الأوروبية.
من المتوقع أن يدخل الشرق الأوسط مرحلة  كساد سياسي، يضرب بالصغار والكبار معا. التهدئة الجديدة تعني، أيضا، أنّ مرحلة الحصارعلى وشك الانتهاء، وهو الحصار الممتد من فرض العقاب الجماعي على المجتمع الفلسطيني تحت ذريعة حصار “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، وصولاً إلى العزلة السياسية الدولية على إيران. في هذا الوقت، يتم التعامل مع الأدوات السياسية والقوى الفاعلة في المنطقة بمنطق التطويع وليس المحو؛ لن نتصور خيارات تدعو للحسم، لا مع الإيرانيين ولا مع الكوريين الشماليين، ولا حتى مع تجار المخدرات على حدود المكسيك.
ربما هذه خيارات توافقية للعالم بالتهدئة، وجس النبض المتبادل، والتريث هنا وهناك. لكن تبقى ملفات الشرق الأوسط، وعلى رأسها ملف التسوية، وحدها الخاسرة من التريث والانتظار. وربما نجد على غفلة أن ثمن هذه التهدئة سيُدفع من هذا الملف لا غيره!

basim.tweissi@alghad.jo

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تداعيات التقارب الروسي الأمريكي.
    من الواضح أن التقارب والتفاهم الروسي الأمريكي ، سوف ينعكس على طبيعة الأوضاع ومجريات الأحداث في المنطقة ، ولكن ليس لصالح ومصلحة شعوب المنطقة بالطبع.///// بل سوف ينعكس على مصالح كل من واشنطن وموسكو في المقام الأول ، وعلى حساب بعض الأنظمة الفاسدة في المنطقة.//// وكل ذلك بالطبع مرتبط بمقدار ونوع التنازلات التي سوف يقدمها كل طرف لصالح الطرف الأخر.//// أي بمعنى أخر أن العدو الصهيوني سوف يكون المستفيد الأول ، أو الرابح الأول على المستوى الإقليمي من وراء عقد أي صفقات سوف تتم ما بين كل من واشنطن وموسكو./// وذلك ما ظهر جليا من خلال انصياع وتجاوب وموافقة نظام دمشق الفوري على تدمير ما يمتلك من ترسانة السلاح الكيماوي لصالح العدو الصهيوني على المدى البعيد ، مقابل استمرار نظام دمشق في الحكم./// بينما نرى في المقابل استمرار تجاهل ما يمتلك العدو الصهيوني من أسلحة دمار شامل ، بما في ذلك السلاح النووي./// وكل ذلك سوف يتم على حساب بعض الأنظمة الهزيلة في المنطقة بالطبع ، وخاصة تلك الأنظمة الفاسدة التي لم تجني من خلال نهب وبعثرة مئات المليارات في مغامراتها الصبيانية في المنطقة سوى جر ذيول الخيبة والهزيمة والفشل الذريع./// وان القراءة الأولية لما يحدث في المنطقة ، وخاصة في كل من مصر وتونس وليبيا وسوريا والعراق واليمن والسودان ، يعني ظهور سياسة جديدة من خلال تقديم بعض التنازلات ، أو تبادل الأدوار بما يخدم مصالح كل من واشنطن وموسكو والعدو الصهيوني في المقام الأول.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock