أفكار ومواقف

الوقت والطريق..!

يحسب بعض زوار الأردن، وخصوصاً العاصمة، عمان، الوقت الذي يضيع منهم على الطريق في اختناقات السير. وقد حسب قريب لي نحو 50 ساعة قضاها على الطريق في 30 يوماً. وقدّر أنه يقطع نفس المسافة في منطقته في أميركا في 10 ساعات في نفس الفترة، وبذلك يكون قد خسر نحو 40 ساعة (نحو يومين) في شهر، كان يمكن أن يصرفها في شيء أكثر فائدة.
قد لا تبدو هذه الأرقام مهمة بالنسبة للكثيرين منا، لأن الوقتَ في ثقافتنا لا يُعادَل بقيمة العمل والمردود، وربما تكون للمسألة علاقة بجذورنا البدوية الصحراوية، حيث النهارات طويلة والعمل قليل ومحدود، وليس هناك من يراقب ساعات العمل ويحاسِب عليها. لكن الكثير من مناطق العالم الأكثر تطوراً تحسب قيمة العمل بالساعة، سواء كان المرء يعمل في مركز للتسوق أو محامياً أو ممرضاً. هناك، لكل دقيقة قيمة مادية محسوسة.
ولكن، إذا كان الناس لا يحسبون الوقت، باعتبار أن هدره بلا حساب ثقافة، أو “طريقة حياة”، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون حال الذين يديرون الدول ويخططون لها، حيث أعلى مهماتهم الاستثمار في كل مورد ممكن بأفضل طريقة ممكنة لإنجاح المشروع الوطني. وإذا كان مجموع ناتج العمل الوطني هو تراكم عمل الأفراد، فإن الوقت الذي يضيع من المواطنين على الطرق سيكون خسارة صافية، وفي حقيقتها، ستعني الساعة التي تضيع في مسافة يمكن أن تُقطَع في عشر دقائق 50 دقيقة من البطالة التي ناتجها صفر.
لذلك، ليس العمل على تقليل الوقت الذي يُهدر في أزمات السير ترفاً، وإنما هو شيء يتعلق بالاستثمار على المستويات الفردية والجمعية، ويستطيع الأفراد الذين لديهم عمل ينبغي إنجازه في وقت محدد أن يُقدّروا معنى فقدان ساعتين في اليوم، مثلاً، على الطريق. سوف تكون الخسارة نفسية ومادية، حيث التوتر والشعور بسوط الوقت هو الخبرة، بالإضافة إلى خسارة قيمة العمل المتوقف في هذه الساعات.
وثمة مسألة ذات صلة أكثر جدية بكثير: الوقت الذي تساوي قيمته الحياة نفسها عندما يتعلق الأمر بمريض أو مصاب ينتظر قدوم طاقم الإسعاف وسياراته التي ستنقله إلى مستشفى. وكذلك حال المواطن العالق هو، أو ممتلكاته، في حريق ويتنظر سيارات الإطفاء. وكما نعرف، فإن طواقم الإسعاف والدفاع المدني عندنا تكون دائماً رهينة لمزاج الطريق؛ ومعها المحتاج للإسعاف الذي تكون روحه نفسها على المحك. وسوف ترى في شوارعنا بشكل شبه يومي سيارة إسعاف أو إطفاء عالقة بين المركبات، تطلق صفارتها اليائسة بلا طائل، وحتى لو كان السواقون الآخرون متعاونين وأرادوا فتح الطريق لهذه السيارات، فإنهم لا يستطيعون فعل شيء للمساعدة.
من المثير للعجب حقاً ألا تكون في شوارعنا التي أنشئت في العقود القليلة الأخيرة مسارب مخصصة لسيارات الإسعاف والإطفاء والشرطة! وإذا كشف هذا عن شيء، فإنه يكشف عن إهمال كامل لعنصر الوقت وقيمته، حيث قد يكون الفارق بين الموت والحياة دقيقة أو دقائق. ويمكن أن تضاف عناصر السلامة الأخرى الغائبة عن الطرق، مثل الإنارة المناسبة في الليل، والخطوط والعاكسات التي تحدد المسارب، والرقابة الشاملة على مخالفات السير.
كان مشروع “الحافلات سريعة التردد” خطوة على الطريق، لكن بطء التنفيذ والعيوب التي ظهرت عند التشغيل التجريبي للقطاعات الناجزة من المسار أضافت فقط إلى الانطباع عن الاستهتار بالوقت. وقد تسبب “التردد” والبطء الشديد في التنفيذ في خسارة الكثير من الناس الذين كانت محلاتهم على مسار المشروع تجارتهم، ومعها خسر الكثيرون وظائفهم. ويبقى أن نرى الأثر الحقيقي الذي سيُحدثه التشغيل المتأخر لكامل المشروع على الوقت، سواء في مسار الحافلات أو لمستخدمي الطريق خارجه.
التعامل مع الوقت ثقافة. وفي الأساس، ينبغي أن تكون الثقافة قابلة للتعديل، بالتعليم والإعلام – إذا توفرت النية لتطوير الممارسات وتغيير المنظورات. وربما ينبغي البدء من أعلى؛ من تقدير صانع القرار والمخطِّط لقيمة الوقت، واستغلال عامل الطريق القابل للتحكم به، من بين أمور أخرى، لجعل الوقت مربحاً وقليل الهدر. وفي المطاف، سوف يكون وعي المخطِّط، وأخلاقية المستخدم، والفلسفة الشعبية والرسمية لأي بلد معروضة كلها، لمن يريد أن يرى ويقيّم، على الطريق.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock