أفكار ومواقف

الوقوف أمام الموت

يمثل الموت واحداً من الحقائق التي نضطر إلى التعامل معها بشكل شبه يومي، فإن لم يبتل الشخص بموت قريب أو عزيز، فلا بد أن يختبر لوعة أحد أصدقائه أو معارفه بفقدان قريب له، والحزن المرافق لذلك الفقد.
ورغم أن الموت هو الأكثر حضورا في حياتنا، إلا أننا لا نستطيع حتى اليوم التعايش مع هذه الحقيقة الثابتة، فنحن نعيش وفي بالنا أننا سنبقى إلى الأبد، وأننا سنظل محتفظين بجميع من نحبهم حولنا. لكن هذا الخيال يسقط مع أول مواجهة مع الموت، حين يغيب أحبابٌ ونظل نلوك لوعة غيابهم.
لا يمكن أن نعتاد الموت، فهو الخوف الكبير القابع في نهاية الطريق متفرساً في وجوهنا جميعنا، هو خوفنا غير المصرح عنه، وهمنا الذي نحمله من غير أن نتحدث عنه، في الغالب، لأقرب المقربين إلينا. نحن نعتبر هذا الخوف سرنا الشخصي الدفين.
من موقعه هذا، ومن قدسيته ورهبته وألمه، فنحن لا نتسامح مع أولئك الذين يتعاملون بسماجة وقلة حياء وذوق مع هذا الحدث. إنسانيتنا تحتم علينا أن نقف باجلال أمام أي موت؛ سواء كان الغائب كبيرا أو صغيرا، سواء كان قريبا أو بعيدا، فثمة حياة انطفأت، ولم يعد أي وجود لصاحبها سوى في ذاكرة المحبين.
مؤخرا، سمعت أحدهم يسخر بطريقة وقحة من موت أحدهم. فكان أسلوبه مستفزاً ووقحاً للغاية، خصوصاً أنه ختم تعليقه بضحكة سمجة.
ومؤخراً، أيضاً، وعلى مدار أشهر طويلة، رأينا كيف يتبارى معلقون على مواقع التواصل الاجتماعي للنيل من متوفين، بعضهم لأنهم أقرباء مسؤولين، وآخرون لأن ديانتهم مختلفة، وغيرهم لمجرد العبث الذي يرسل بشخصية المعلق إلى الحضيض، ولا يمكن لأحد أن يتعاطف مع تعليقاته أو أن يتحمس لها إلا إذا كان خارج المعادلة الإنسانية.
هذا الكلام ليس من دون مناسبة؛ بل له مناسبات عديدة، فكثيراً ما نتفاجأ بتعبيرات خارجة عن الذوق والحس الإنساني السليم ونحن نواجه موتاً ما. حتى أنها تتجاوز مشاعر أهالي الميت، الذين لن يستطيع أحد مواساتهم مهما بلغت درجة فصاحته، ومهما فعل لهم، فكيف نعمد إلى جرحهم أو السخرية من حزنهم ومصابهم!!
لا يتوجب علينا أن نتصرف بتسامح تجاه من يقلل من شأن الموت أو الميتين، بل ينبغي علينا أن نكون أقرب إلى البشر الذين ظلوا عاجزين، وعلى مدى العصور، أمام معرفة سرّ الانطفاء والغياب الأبدي.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock