صحافة عبرية

الولايات المتحدة تنزع القفازات بمداولاتها مع إسرائيل

هآرتس

عاموس هرئيل

كلما اقترب موعد استئناف المحادثات بين إيران والدول العظمى، بعد أسبوع في فيينا، تزداد الحرب النفسية التي تديرها الأطراف فيما بينها. بصورة غريبة بدرجة معينة، فإن تبادل اللكمات هذا تقريبا لا يحدث بين طهران وشركائها في المفاوضات، بل على الأغلب بين دولتين لن يكون لهما موطئ قدم في المحادثات حول العودة الى الاتفاق النووي. الدولة الأولى هي الولايات المتحدة، التي سيصل مبعوثوها الى فيينا، لكنهم لن يشاركوا في المفاوضات المباشرة بسبب معارضة إيران. والدولة الثانية هي إسرائيل.
قبل بضعة أسابيع، شخصيات إسرائيلية رفيعة، لا تتم تسميتها بأسمائها، توجه الانتقاد لسياسة أميركا تجاه إيران. الإدارة الأميركية، هكذا قيل، متحمسة للعودة الى الاتفاق الذي تم التوقيع عليه في 2015 بكل ثمن تقريبا. وفي اللحظة التي ستعطي فيها إيران إشارات على استعدادها لإجراء مفاوضات جدية، فإن الأميركيين سيصبحون مرنين. الولايات المتحدة، التي تقلص بالتدريج اهتمامها بالشرق الأوسط وتقوم بسحب قواتها من المنطقة، تقوم بضبط نفسها بشأن تحدي إيران الواضح، هجوم طائرات انتحارية أطلقتها مليشيا شيعية على القاعدة العسكرية الأميركية في التنف في شرق سورية.
يبدو أن الإدارة الأميركية قررت الآن نزع القفازات، وهي تفعل ذلك بواسطة القناة المفضلة عليها وهي صحيفة “نيويورك تايمز”. في البداية نشرت الصحيفة بأن هجوم الطائرات المسيرة في سورية كان بالأساس انتقاما غير مباشر من إسرائيل، بسبب ازدياد هجماتها ضد أهداف إيرانية في سورية. أمس نشر في الصحيفة مقال مطول موضوعه دحض معظم ادعاءات إسرائيل حول المفاوضات النووية.
وقد كتب في المقال، الذي كان أول الكتاب له هو المحلل العسكري الكبير في الصحيفة، دافيد سنغر، الإدارة توصلت الى استنتاج بأن الاتفاق الجديد إذا تم التوقيع عليه، فإنه لن يتضمن العودة الى بنود الاتفاق الذي تم التوقيع عليه قبل ست سنوات. الاتفاق القديم أصبح ميتا الآن. أمل الرئيس الأميركي جو بايدن هو أن يستطيع العودة الى الاتفاق في السنة الأولى من ولايته، وبعد ذلك التركيز على بلورة صفقة “أطول وأقوى”، تم إهمالها إزاء سياسة التأجيل المتعمدة التي اتبعتها إيران. النظام في طهران قام بتعويق المحادثات في فترة الانتخابات الرئاسية في إيران وانتظر بضعة أشهر أخرى بعد تولي الرئيس المتشدد إبراهيم رئيسي لمنصبه.
هذا هو موقف أميركا الحالي، لكن من المثير الاستنتاج الذي يرافقه. حسب الإدارة الأميركية فإنه ليس فقط سياسة الضغط، التي قادها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، انهارت، بل أيضا شبكة التخريب التي قادتها إسرائيل ضد المشروع النووي، فشلت. والأكثر من ذلك، للمفارقة، يبدو أن هذه الخطوات فقط هي التي قربت إيران من هدفها.
حسب سنغر والكتاب الآخرين للمقال، فإن إسرائيل قامت باغتيال مؤسس البرنامج النووي الإيراني، محسن فخري زادة، وتسببت بانفجارات في أربع منشآت نووية ومنشآت صواريخ في إيران، على أمل تأخير مشروع القنبلة النووية. ولكن النتيجة، حسب مصادر استخبارية أميركية ومراقبين دوليين، كانت معاكسة لما خطط له. الإيرانيون أعادوا بسرعة المنشآت للعمل وقاموا بتركيب أجهزة طرد مركزية جديدة، التي يمكنها تخصيب اليورانيوم بسرعة أكبر.
بعد تعرض منشأة للإصابة، التي ظهر وكأنها تسببت بشللها في الربيع الماضي، عادت الى العمل في الصيف. مصدر أميركي رفيع أشار، بشكل لاذع، إلى أن هذا هو رد إيران على برنامج البنى التحتية لبايدن باسم “إعادة البناء بشكل أفضل”. هذه الإحاطات تبدو كرد مباشر على الإحاطات القادمة من الشرق الأوسط، في هذه السنة وفي السنة الماضية، التي بحسبها سلسلة التفجيرات المجهولة ستبعد الإيرانيين بضع سنوات، وربما سنوات كثيرة، عن هدفهم.
رئيس الموساد السابق، يوسي كوهين، قال أول من أمس للصحيفة في مؤتمر الأمن، إن إسرائيل ستعتبر أن الاتفاق المستقبلي هو اتفاق جيد إذا تضمن تفكيك المنشآت النووية في بوردو ونتناز. وقد قال “إيران تقوم بتخصيب اليورانيوم لأنها تستطيع. لهذا يجب وقف ذلك”.
موظفون أميركيون، من بينهم أعضاء في قيادة السايبر، قدروا أنه سيكون من الصعب إخراج هجوم سايبر الى حيز التنفيذ يضر بشكل شديد بمشروع إيران، مثلما فعل فيروس “ستوكسينت” قبل عشر سنوات. أيضا شخصيات رفيعة إسرائيلية أكدت مؤخرا للصحيفة أن إيران تطور باستمرار منظومة دفاعها الجوي وتهتم بوضع المواقع الحساسة للبرنامج النووي عميقا بقدر الإمكان تحت الأرض.
حسب الأميركيين، هم حذروا مسبقا إسرائيل بأن أعمال التخريب التي تمت في المنشآت ستكون “مرضية من ناحية تكتيكية”. ولكن في نهاية المطاف ستؤدي الى نتيجة معاكسة. صحيفة “نيويورك تايمز” اقتبست شخصيات إسرائيلية رفيعة، التي حسب أقوالها لا توجد لإسرائيل أي نية للتخلي عن حملة التخريب.
المصادر في الإدارة الأميركية تعتقد أن إيران تريد تحقيق مكانة “دولة حافة” نووية، التي ستبقيها على مسافة قصيرة جدا من إنتاج القنبلة إذا أرادت ذلك. هذا الاستنتاج المحزن يعزز التقرير الأخير لمعهد أبحاث أميركي مهم، وهو معهد أبحاث العلوم والأمن. في التقرير الذي نشر أمس، كتب الباحث الرئيسي، دافيد اولبرايت، بأن كمية اليورانيوم المخصب بمستوى عال (20-60 %) التي راكمتها إيران مؤخرا تقصر المسافة من أجل إنتاج القنبلة حتى “مسافة الاختراق” التي هي ثلاثة أسابيع أو أكثر بقليل. وقد أضاف أولبرايت أن جزءا من التقدم الكبير تحقق بفضل تركيب أجهزة طرد مركزية سريعة من نوع “آي.آر6”.
إذا أرادت إيران إنتاج السلاح النووي، فإنها ما تزال بحاجة الى تنفيذ الجزء العسكري في البرنامج، وهو تركيب القنبلة كرأس نووي متفجر على صاروخ بالستي، وهي العملية التي يمكن أن تستغرق، حسب الخبراء، سنة أو سنتين تقريبا. مع ذلك، بيان اولبرايت يخبرنا عن الدرجة التي وصلت إليها إيران في تقدمها في الوقت الذي أقنعت فيه الإدارات الأميركية نفسها، في البداية ترامب وبعد ذلك بايدن، بأنها تعالج المشكلة بشكل جيد.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock