أفكار ومواقف

اليأس وانعدام الثقة والولاية العامة

يتعمق الإحساس يوماً بعد الآخر بضعف التعاطي والتردد الحكومي في التعامل مع الأزمات المتلاحقة التي تداهمها سواء تلك التي تكون خارجة عن إرادتها كظروف الإقليم أو الكوارث الجوية أو تلك التي تصنعها بنفسها كالقرارات الحكومية غير العادلة في مجال التعيينات في الوظائف العليا أو العقود الشاملة والتي لا يحتاج المواطن لبذل جهود كبيرة في معرفة أسبابها ومسبباتها وشبهة العلاقة الشخصية فيها أو الانصياع للضغوط بما فيها ضغوط بعض النواب الذين ينظرون للموقع البرلماني كمغنم دون الالتفات لهموم بيئاتهم وناخبيهم.
غياب الاشتباك الفاعل والمنتج مع الناس والانتماء لقضاياهم وتلمس احتياجاتهم وخاصة في المحافظات التي تواجه الفقر والبطالة وانعدام الأمل واليأس خصوصاً جيل الشباب الذين يشكلون خمس سكان المملكة اذ تشير الإحصاءات إلى أن هناك مليون شاب في الفئة العمرية15-24، لم تقدم لها الحكومات عموماً وهذه الحكومة تحديداً إلا الوعود المدهونة بالزبدة؛ والمثير حقاً للدهشة أنه عندما تضطر مؤسسات الدولة وعلى رأسها الديوان الملكي، بمكانته ورمزيته كبيت كبير للأردنيين ويرنون اليه دائماً، للتدخل لإنقاذ الموقف لغياب الحكومة عن التعامل السريع؛ تعود قضية الولاية العامة للتداول من جديد وخصوصا ممن يعتقد “واهماً” أنه ساهم في وصول الحكومة الحالية باعتبارها تعبيراً عن حالة شرعية وشعبية فرضتها احتجاجات رمضان الماضي وهو أمر فيه من المبالغة أكثر من الحقيقة.
لا بأس من التذكير هنا أن الذين خرجوا احتجاجاً على سياسات الحكومة السابقة كان هدفهم إسقاط مشروع قانون ضريبة الدخل، ولو تخلى رئيس الحكومة السابق عن عناده بعدم سحب القانون لربما بقي في الدوار الرابع حتى الآن. ولا تستطيع الحكومة الحالية أن تقنعنا بأنها “آتية بما لم تستطعه الأوائل” فلم تعد اكتشاف العجلة بل أعادت إنتاج ذات القرارات وبنفس الأدوات ولكنها تميزت بتوظيف الشعبية على حساب شجاعة اتخاذ القرار.
الولاية العامة للحكومة كما وردت في المادة 45 من الدستور تنص على أن “يتولى مجلس الوزراء مسؤولية إدارة جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية باستثناء ما قد عهد أو يعهد به من تلك الشؤون بموجب هذا الدستور أو أي تشريع آخر إلى أي شخص أو هيئة أخرى”، وهذا يعني أن الحكومة هي المعنية حكماً بفرض ولايتها العامة والالتزام بالدستور؛ وأن أوجب واجبات الحكومة في ممارسة الولاية العامة هي تحمل المسؤولية والتعامل مع أي حدث طارئ بفعالية وجرأة وحزم والابتعاد عن التوظيف الشعبوي وتكريس العدالة فعلاً لا قولاً والتقاط مؤشرات الخطر مبكراً والتعامل معها بشجاعة حتى لو كانت الكلفة على أعضائها عالية.
لعل أخطر ما يواجه الدولة هو الانحياز للشعبية على حساب الحقيقة وشجاعة الاعتراف وتحمل ذلك، وهذا ما يعيدنا للمقارنة بين صورة الموظف التقليدي وصورة رجل الدولة التي بتنا نفتقدها للأسف نتيجة تغير آليات تشكيل الحكومات واعتمادها بشكل صارخ على العلاقات الشخصية والزبائنية السياسية.
ليس من مصلحة أحد أن تزداد حالة الإحباط وفقدان الثقة بحيث تتجاوز تداعياتها الحكومة لتؤثر على الدولة بكل مؤسساتها في وقت تحتاج فيه البلاد لأعلى درجات التنسيق والتناغم حتى تتجاوز التحديات الاقتصادية أولاً والسياسية التي يبدو أنها لن تتأخر كثيراً في ظل حديث وتسريبات عن مشروع تسوية أميركي قد يضع الأردن أمام تحدٍ كبير. وهذا يعني بالضرورة وجود رؤيا حكومية واضحة وغير تقليدية تركز على التعاطي والاستجابة السريعة واستعادة الثقة والقدرة على التعامل مع التحديات بعيداً عن اتخاذ القرارات غير الملحة والتي تساهم في استفزاز الناس.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock