اقتصادتحليل إقتصادي

اليقظة الإستراتيجية: نموذج مقترح لتسطيح آثار الأزمات وإدارة المخاطر في المنظمات الحديثة

الدكتور خليل العمرو المشاقبة**

عمان-تشهد بيئة الأعمال المعاصرة على المستوى العالمي وفي المجتمعات العربية بشكل خاص عديدا من التهديدات والتحديات فيما يتعلق بوجودها وتنافسيتها لتحقيق التميّز والاستدامة في بيئة الأعمال, يحصل ذلك في ظل مصفوفة شاسعة من الأزمات والمخاطر والتغيرات والتطورات التكنولوجية وتزايدا في رغبات العملاء وتشعبها، الأمر الذي أفرز الكثير من الاضطرابات والتعقيدات والانتكاسات في منظمات الأعمال, تلك التي وجدت نفسها في مأزق البحث عن الطرق المناسبة لتحصين وضعها بغية المحافظة على موقعها التنافسي والمحافظة على استدامتها وازدهار اعمالها.
سرعان ما وجدت هذه المنظمات نفسها مضطرة للتكيف في سبيل الكشف عن بيئتها وكذا عن الوسائل الضرورية لتدعيم مصادر معلوماتها وقدرتها على الاستحواذ على أكبر حصة سوقية في الفضاء الأكثر تنافسية وعدائية عبر التاريخ ، تطلب ذلك مواجهة هذه التحديات بطرق مبتكرة وغير تقليدية, وذلك من خلال التغيير والتطوير وإجراء التحسينات المستمرة في أساليب ونظم العمل المختلفة في هذه المنظمات.
اما وقد عرف العالم طفرات كثيرة ومتطورة خلال العقود الماضية، وفي مجالات عديدة: سياسية، اقتصادية, تجارية, عسكرية, صحية, وبيئية.. الخ، لاسيما في ظل ما أفرزته العولمة في نهاية القرن الماضي، من انفتاح وهدم الحدود بين الدول والقارات، لتشكل من العالم قرية صغيرة بفعل التكتلات والكيانات العالمية من منظمة التجارة العالمية وصولا إلى البنك وصندوق النقد الدوليين, تلك التي فتحت الأبواب أمام المؤسسات العملاقة لغزو الأسواق العالمية، مما راكم من حدة المنافسة.
وبهذا تظهر لنا ضرورة ايلاء هذه المنظمات لأهمية بناء مصفوفة النظم الفاعلة التي من شأنها ان تمكنها من رصد والكشف عن الاشارات الضعيفة، وكذا كل ما يحدث في بيئتها وحراستها بعين لا تنام وبشكل دائم ومستمر، وتمثل كل ذلك في بناء متكامل لنموذج اليقظة الاستراتيجية, ذلك الذي من شأنه ان ييسر للمنظمة عملية رصد المعلومات الاستراتيجية التي تمكنها من نحت نظام مراقبة يحرص على اقتناص الفرص وتجنب المخاطر التي تداهم طريقها وتشكل العقبة الكؤود في سبيل تحقيق اهدافها ورسالتها.
وفقا لكل ما تقدم فانه يمكن تعريف نموذج اليقظة الاستراتيجية بأنه تلك العملية الاستراتيجية التي تزود المنظمات بالمعلومات الي يتم بناؤها وفقا لأسس ومقاييس علمية، ففي جميع القطاعات تبحث المؤسسات عن طرق للكشف عن بيئتها الخارجية والداخلية وتحليلها لعناصر قوتها وضعفها, فرصها وتهديداتها, والمنظمات بهذا المدخل تسعى للبحث عن الوسائل المناسبة لتدعيم مصادر معلوماتها وتجميع قدرتها على الدفاع والهجوم, الانسحاب او التقدم, والمناورة بكل ما اوتيت من قدرة, كل ذلك في السبيل لإبطال خطط المنافسين وتجنب الأزمات.
لذا فتحليل المؤسسة لبيئتها الخارجية العامة بواسطة اليقظة الاستراتيجية تعتبر أحد الوسائل الي توضع تحت تصرف قيادة المنظمة التحويلية والوازنة لمواجهة تحدياتها واقتناص فرصها السانحة.
وهي كذلك الإجراء الجماعي المستمر من خلال مجموعة من الأفراد الذين يعملون على المتابعة والمراقبة الذكية والفاعلة بهدف تقصي وجمع مصفوفة البيانات والمعلومات والمعارف بشكل تطوعي واستباقي وبما يتماشى والتغيرات التي يحتمل حدوثها في البيئة الخارجية المحيطة بالمنظمات في سبيل الهيمنة على متغيراتها وتوظيفها لصالح المنظمة, عوضا عن ان تشكل قيدا يسور ايديها مانعها من التقدم والنمو.
واليقظة الاستراتيجية في ظل هذا الفهم تعتبر مجموعة من الأساليب المنسقة التي تعمل على تنظيم وتحليل ونشر ومشاركة واسترجاع واستخدام المعلومات والمعارف المفيدة حفاظا على بقاء المنظمات واستدامة اعمالها ونموها في مواجهة ظروف عدم التأكد التي اضحت تغلف فضاءات عمل المنظمات في وقتنا الحاضر.
تعتبر البيئة مصدرا ومنبعا لتزويد المنظمة باحتياجاتها من المعلومات التّي تستخدمها كمورد لاتخاذ قرارات سليمة ورشيدة، ومن جهة أخرى تعتبر المصبّ النهائي لمخرجات هذه المنظمة المعتمد عليها في ضمان استمرارها وبقائها، وبما أن المنظمة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالبيئة فإن تعرضها للأزمات أمر وارد، وما عليها إلا إدارة هذه الأخيرة عن طريق اليقظة التي تعتبر من أهم الصفات التي يجب على المنظمة التمتع بها، فاليقظة الاستراتيجية بهذا المعنى، من شأنها ان تسمح للمنظمة أن تبقى على علم دائم بما يحيط بها، ولا تتفاجأ بما ينتج عن هذه المتغيرات من انتكاسات او نجاحات.
أما فيما يتعلق بالأهداف المرجوة من وراء تبني نموذج اليقظة الاستراتيجية كمدخل للتحكم بضبط ايقاع الأزمات المحتملة، فهي كالتالي:

  • تدعيم عملية التخطيط : اليقظة الاستراتيجية تدعم عملية التخطيط سواء على المدى القصير أو المتوسط أو الطويل و تساهم في تشكيل و بلورة الاستراتيجيات وتقييم الأهداف الناتجة عنها
  • دعم سمة الاستجابة الايجابية مع الحدث : فاليقظة الاستراتيجية عبارة عن نظام يسمح للمؤسسة بالبقاء في حالة وعي ومعرفة بتطورات البيئة، ويساعد على فهم القوى الخارجية للتغيرات، وتحديد وتحليل الضغوطات والتهديدات والفرص المتاحة في البيئة المحيطة، كل ذلك في سبيل التكيف مع التغيرات الخارجية وتحفيز أنشطة الاستجابة الفعالة للتغيرات البيئية لتساهم في ضمان تحسين موقع المنظمة في المستقبل.
  • دعم منهجيات الإبداع والابتكار: تعمل اليقظة الاستراتيجية على مقارنة الوضعية الحالية للمنظمة مقارنة بنظيراتها من المنظمات الأخرى، مما يحفز عناصر الابتكار والتكيف، وتقديم خدمات ومنتجات ذات قيمة مضافة، ومن ثم دعم موقعها التنافسي والاستحواذ على مزايا تنافسية متعددة.
  • حل المشاكل وتدعيم عملية اتخاذ القرارات: تقدم اليقظة الاستراتيجية لمتخذي القرارات تقديرات دقيقة مبنية على معلومات حول توجهات المنافسين ، والقوانين والتكنولوجيا, والتهديدات الأمنية والسياسية والبيئية … إلخ, وهي بذلك تقلل من سيادة وهيمنة عناصر عدم اليقين المرتبط بالقرارات المهمة زغير الروتينية, بل وتساعد على فهم تلك المشاكل وحلها.
  • تدعيم عمليات الاستبصار والتوقع واستباق الأحداث: تسمح اليقظة الاستراتيجية بتوسيع قدرات المؤسسة على اقتناص المعلومات وتوقع حدوث التغيرات واستباقها، والنظر من زوايا أخرى للفرص المتاحة، زيادة سرعة الاستجابة في الوقت المطلوب.
    اما فيما يتعلق بأنواع اليقظة الاستراتيجية فهي:
  • اليقظة التكنولوجية.
  • اليقظة التنافسية.
  • اليقظة التجارية.
  • اليقظة الاجتماعية: حيث المنظمة بحاجة إلى رصد البيئة الداخلية من خلال ملاحظة ومتابعة حياة جماعات العمل في المنظمة (التنظيمات غير الرسمية)، وهي وسيلة انصات واستماع وازنة هدفها الضبط الاجتماعي لمختلف المتعاملين في المؤسسة في سبيل توجيه هذه الطاقات للعمل في صالح المنظمة لا ضدها.
  • اليقظة البيئية: تخص ما تبقى من عناصر في بيئة المؤسسة, أي الإشارات الآتية من خارج المؤسسة والتي يجب تفسيرها من اجل الحصول على ميزة استراتيجية. وتعمل اليقظة البيئية على دراسة المتغيرات التي لم تقم الانواع الاخرى من اليقظة برصدها وتحليلها .
  • اليقظة السياسية والقانونية والأمنية.
  • اليقظة الصحية الوقائية.
    وفيما يتعلق بأهم خصائص نموذج اليقظة الاستراتيجية فيمكن تلخيصها بالتالي:
  • الاستراتيجية: فهي تتعلق بالقرارات غير الروتينية وغير المتكررة والتي ليس لها أي نموذج من النماذج المفحوصة والمقيمة بفعل التجارب السابقة, مع الأخذ بالحسبان المعلومات النادرة جدا لكنها من الممكن أن تعبر عن القرارات كبيرة جدا على تنافسية وبقاء واستمرارية المنظمة واستدامة اعمالها بكفاءة وفاعلية.
  • تطوعية: لا يمكن لليقظة الاستراتيجية أن تكون عملا سلبيا ومحدودا بالمتابعة والمراقبة البسيطة للمحيط لكونها مدخلا ابداعيا رياديا وليس تقليديا فهي على العكس من ذلك تعتبر تطوعية.
  • الذكاء الجماعي: يعني الذكاء الجماعي وجود مجموعة من الأفراد يقومون بمراقبة أي إشارات في محيط المنظمة من أجل مقارنتها وتفسيرها, ومن ثم تقديمها لأصحاب القرار لاتخاذ المناسب بشأنها.
  • دراسة البيئة المحيطة بالمنظمة بشكل منهجي ومتكامل وشمولي لجميع المساحات والقطاعات المؤثرة.
  • اجتراح الابداع: من خلال تفسير الاشارات بطريقة ابداعية وتطوير فرضيات مسار الأحداث وتأثيراتها المحتملة.
  • التوقع: لكل ما يحيط بالمنظمة من سيناريوهات بهدف الاستجابة الناجزة لملاقاتها والسيطرة عليها.
    اما فيما يتعلق بعلم ادارة الأزمات, فيعود استخدام مفهوم الأزمة بداية إلي علم الطب الإغريقي القديم، حيث كانت هذه الكلمة تسـتخدم للدلالة على وجود نقطة تحول مهمة ووجود لحظة مصيرية في تطور مرض ما، ويترتب علـى هـذه النقطة إما شفاء المريض خلال مدة قصيرة وإما موته, والأزمة بشكل عام هي موقف يواجه صناع القرار في المنظمة وتتلاحق فيها الأحداث وتتشابك الأسـباب بالنتائج ويزيد الأمر سوءا اذا ضاعت وضعفت قدرة صناع القرار في السيطرة علـى ذلـك الموقـف.
    إن إدارة الأزمات هو مفهوم واسع يتضمن التخطيط العام والاستجابة للمـدى الواسـع مـن حالات الطوارئ وحالات الكوارث, وهو بهذا المعنى نظام يزود المنظمة باستجابة نظاميـة منظمـة ومرتبة لحالات الأزمات، وهذه الاستجابة تجعل المنظمة قادرة علي الاستمرار في أعمالهـا اليوميـة المتعلقة بتقديم الخدمات والمنتجات وكسب الأرباح وغيرها في نفس الوقت الذي تكون فيها الأزمة تدار بنجاح.
    والأزمة كمفهوم ايضا, هي مجموعة الأحداث والظروف المفاجئة التي تنطوي على تهديد واضح للوضع الراهن، من شأنه ان يؤثر على المصالح العليا للكيانات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، ولمواجهة هذا الوضع الصعب كان لزاما على متخذي وصانعي القرار تشخيص واقع الأزمة وذلك بالاعتماد على جمع الحقائق والبيانات وتحليلها تحليلا معمقا ويقظا، لأن كل أزمة لها مجموعة من الأبعاد المختلفة المرتبطة بطبيعة الأزمة ونوعها، وإن الطريقة المثلى للتعامل معها هي إدارتها بناء على مجموعة من الخطوات والاستراتيجيات, وعليه فإن علم إدارة الأزمات له خصوصيته ومقوماته وأصوله، وهو يعمل على إحداث انفراجه للأوضاع والتهدئة والحفاظ على حياة البشر.
    من الجدير بالذكر ان الأزمات اصبحت سمة العصر ومتلازمة أساسية للمنظمات, حيث شهدت الألفيـة الثالثـة سرعة مذهلة للتغير والتقلب فـي البيئـة الديناميكية للأعمال، وليس ازمة جائحة كورونا عنا ببعيد, بل وأصبح كل تنظيم لا يكاد ينجو من تأثير الأزمات, وبالتالي زاد الاهتمام بالتخطيط الاسـتراتيجي واليقظة الاستراتيجية كأسلوب ونموذج وازن يتم استخدامه في مواجهة الأزمات بهدف التكيف مع المتغيرات المفاجئة وغير القابلة للتوقع المسبق، فاليقظة الاستراتيجية هي مقاربة لمواجهة الأزمات وتحويلها الى فرص, مما يعني إن المنظمات تستخدم هذا النموذج كوسيلة لاكتشاف فرصها المستقبلية وتجنـب المخاطر والأزمات على مستوى الفرد والمنظمة والدولة.
    هناك ثلاثة عناصر للأزمة، وهذه العناصر هي:
    -عنصر المفاجـأة : إذ إن الأزمة تنشأ وتتفجر في وقت مفاجئ غير متوقع بدقة وفي مكـان من الصعوبة بمكان توقعه أيضا.
  • عنصر التهديد: تتضمن الأزمة تهديدا للأهداف والمصالح في الحاضر والمستقبل.
  • عنصر الوقت: أن الوقت المتاح أمام صناع القرار يكون وقتا ضيقا ومحدودا.
    أما فيما يتعلق بالآثار المتوقعة للأزمات على السلوك التنظيمي في المنظمات فهي تتضمن:
  • انخفاض درجة التكامل من قبيل زيادة رغبة الإفراد أو الوحدات الفرعية في المنظمة فـي إن تتبع سلوكا يسمي بالسلوك الانسحابي في المنظمة.
  • زيادة وتقوية الصراعات الموجودة قبل حدوث الأزمة.
  • خفض قنوات الاتصال المستخدمة وتقلص غزارة المعلومات.
  • تقلص السلطة في المنظمة وخفض عدد الإفراد أو الوحدات المشاركة في ممارسـة السـلطة دون الرجوع إلى التدرج التنظيمي.
  • زيادة الضغط على الوحدات الأخرى في المنظمة والتي تتحمـل المسـؤولية فـي الوضـع الجديد.
  • نتيجة لزيادة الضغط على وحدات السلطة العليا في المنظمة فان هذا قـد يعمـل علـى انسـحاب وحدات السلطة من المهام التنظيمية مثل الاستقالة الجماعية أو إعلان حالة الإفـلاس أو غير ذلك.
  • تقليل عملية الاستشارة في اتخاذ القرار إلى أضيق حد ممكن.
  • زيادة الممارسات غير السليمة مثل الشللية والحزبية والطائفية, أو حدوث تعارض بين شكل أو أكثر مـن السـلوك المتوقع من الفرد وهو ما يطلق عليه صراع الأدوار.
    وفي الختام, يبدو ان متلازمة الحقبة القادمة تتلخص بالمقولة الشهيرة لأحد اهم علماء الادارة في (ان الثابت الوحيد في هذا الكون هو التغيير)، وعلى ذلك فان على الجيل القادم من قادة منظمات المستقبل (الحكومية وغير الحكومية) ان يكونوا من الرشاقة كالنمور، ويملكون دهاءً كدهاء الثعالب, ومثابرين كما السلاحف, فيما المطلوب منا اعادة قراءة القصة التي تعلمناها في الابتدائية عن (الثعلب الماكر والسلحفاة اليقظة) مراراً وتكرارا، وذلك في سبيل استخلاص العبر والاتكاء على الحقائق التي فرضتها سنن الكون من لدن عالم خبير.

*الكاتب باحث واكاديمي ومدرب دولي معتمد في التخطيط الاستراتيجي
*مقيم معتمد في جائزة الملك عبدالله الثاني بن الحسين للتميز والشفافية

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock