أفكار ومواقف

اليوم التالي لحرق “الأقصى”؟

هناك مقولة شائعة جدا، ليست لدينا معلومات عن مدى دقتها، تنسب إلى غولدا مائير، رئيسة الوزراء الإسرائيلية بين العامين 1969 و1974، تقول بعد حرق المسجد الأقصى: “لم أنم طوال الليل. كنت خائفة من أن يدخل العرب إسرائيل أفواجا من كل مكان. لكن عندما أشرقت شمس اليوم التالي، علمت أن باستطاعتنا أن نفعل أي شيء نريده”، في إشارة لضعف الرد العربي. وبغض النظر عن صحة المقولة، فقد أثبتت الأسابيع الماضية أنّ الأمر ليس بتلك السهولة، أو أن العالم، وتحديدا “العالم الفلسطيني”، في العام 2015، غيره في العام 1969.
في الواقع، لا يمكن أن نعزو كل الأمر للعام 2015، وأنا أذكر أحد الباحثين الإسرائيليين، الذي كان قريبا من المفاوضين الإسرائيليين، ومن رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك، يتحدث في جامعة أكسفورد العام 2001، ويجيب عن سؤال، بأنّ مجرد قبول المفاوض الإسرائيلي في مفاوضات كامب ديفيد وطابا، حينها، فكرة تقسيم ما للقدس، هو تراجع عن مقولات أيديولوجية وسياسية عن العاصمة الأبدية الموحدة. وقال إنّه منذ انتفاضة العام 1987، ثبت للإسرائيليين أنّ القدس مقسمة. كما قال: إذا كان لا يمكنك أن تمشي في الشوارع بأمان، وإذا كنت تتجنب هذا المشي، فهو يعني أنّ الأمر غير طبيعي، ويحتاج حلا.
تنقل صحيفة “يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية، أمس، في افتتاحيتها، عن قائد الشرطة الصهيوني في الحرم القدسي الشريف، قوله “إنّ كل إرهابي (يقصد الفلسطينيين) يرى نفسه حارساً للأقصى. إن كل شيء يبدأ وينتهي بسبب الخوف من تغير الوضع القائم (status quo)”.
في الواقع، إنّ حديث بعض المسؤولين الإسرائيليين (وحتى العرب)، يحاول أن يصور الهبّة الفلسطينية المرشحة للتحول لثورة وانتفاضة، بأنّها رد فعل على ما يحدث في المسجد الأقصى، وهذا يحتاج وقفة.
بداية، يعني هذا الطرح إقراراً بأنّ الأمر ليس بالسهولة التي تصوِّرها المقولة المنسوبة لغولدا مائير، أو التي يتندر بها البعض بشأن خمول رد الفعل العربي، لو هُدمت القدس بمقدساتها المسيحية والإسلامية.
ثانياً، إن     مجموعة شبان عزل يتولون مهمة كان على الدول والجيوش والحكومات والدبلوماسيات الفلسطينية والعربية أن تتولاها.
ولكن، ثالثا، لا يجب الانسياق خلف أن كل شيء يبدأ وينتهي بوقف مخططات الصهينة في القدس والحرم الشريف فيها؛ فالاحتلال، والتشرد، والاستيطان، والضغط اليومي على الفلسطينيين، في مخيماتهم وقراهم ومدنهم، داخل فلسطين وخارجها، لا تنتهي عند المسجد الأقصى.
إنّ ما يحدث الآن، يؤكد الطاقة الشعبية المتجددة، وخصوصاً لدى الشباب الفلسطيني. والمطلوب الآن ليس فقط وجود قيادة فلسطينية داعمة، تستثمر طاقة هؤلاء وتؤمن لهم إسناد وانخراط باقي فئات الشعب في النضال، ولكن أيضا تمتلك أذرعا سياسية وتنظيمية، قادرة على الوصول إلى باقي القطاعات الشعبية العربية والعالمية، وتفعيل لجان التضامن الشعبي، والضغط على المواقف الرسمية لتتبنى موقفا حاسما في دعم هؤلاء.
عندما أصبح بنيامين نتنياهو رئيسا لوزراء الحكومة الإسرائيلية، منتصف التسعينيات، كانت عجلة التطبيع تمضي سريعاً، عبر ما كان يسمى “مؤتمرات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” التي كانت تنعقد سنوياً. وبدأت العلاقات الإسرائيلية العربية الرسمية العلنية تتعزز. ثم جاءت انتفاضة النفق (الذي شقه الإسرائيليون تحت المسجد الأقصى)، لتقلب المشهد، وتفرض وقف التطبيع، ووقف تلك المؤتمرات السنوية التي كانت ترمي إلى تأسيس شرق أوسط جديد، إسرائيل في قلبه.
يُثبت الفلسطينيون، إذن، مرة أخرى، وليس الآن فقط، أنهم قادرون على تحدي المخطط الصهيوني. والبيئة العربية والمسلمة والعالمية، مهيأة للتعبير عن التضامن ومد يد العون، شرط أن تجد آليات عمل واضحة وممكنة.
ما بات واضحاً على مدى ثلاثين عاماً، هو أن الانتفاضات الشعبية والمقاومة، هما ما يحقق مكاسب الفلسطينيين. فالانتفاضة الأولى كانت مقدمة تراجع صهيوني، وقبول اتفاقيات سلام مؤقتة، تضمنت دخول مئات آلاف الفلسطينيين بلدهم، قبل أن تتراجع إسرائيل عن الاتفاقيات في سياق العملية التفاوضية غير المدعومة بنضال شعبي. وخرج الإسرائيليون من لبنان على وقع المقاومة، ومن غزة بعد “انتفاضة الأقصى”.
إذن، يمكن لنضال شعبي، مع توظيف بنّاء مدعوم عربيا ودوليا، أن يبعث رسالة بأن اليوم الثاني لهدم “الأقصى” ليس كالذي سبقه، وأنّ تراجع المشروع الصهيوني عموماً ممكن.

تعليق واحد

  1. كيف ذلك؟؟؟
    عدو مضللّ وماكر لايبنى على تصريحاته وهو الذي لاذمة ولاعهد ولاميثاق ولاضمير؟؟ فكيف لنا ان نغازل تصريحاته اونصدق مفاوضاته ونبني على مفرداته المضللة لنصنع استراتجية؟؟ الإستراتجية التي من المفروض البناء عليها "واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ورباط الخيل ترهبون بها عدوالله وعدوكم وآخرين من دونهم" ودون ذلك سنبقى نغط في سباتنا نحلم ونتوهم حتى نصحوا لنجد انفسنا في احضانهم" حيث دفينهم من النيل للفرات" والتي ظهرت مراكز استطلاعهم على ارض الواقع؟؟" في شمال ارض الفرات واطرف النيل"

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock