Uncategorized

اليوم العالمي للوبائيات التطبيقية

* الدكتور مهند النسور

في ظل ما يعيشه العالم الآن من تبعات وآثر لجائحة كورونا والتي أخرجت العالم أجمع عن المألوف في التعامل مع الاوبئة وزادت من الاعباء على كافة المستويات العاملة في قطاع الصحة العامة واظهرت الحاجة الملحة الى الاستثمار في القوى العاملة الميدانية، حيث تبين أن العالم أجمع لم يكن على تلك الدرجة اللازمة للتعامل مع الاوبئة والجوائح، وقد كانت كل الخطط والاستراتيجيات تبنى على الجوانب والبيانات النظرية والتي في وقت السلم لا تعكس ولا تبين مقدار الاستعداد والتأهب للتعامل مع الأوبئة واشكال الجوائح المختلفة، وقد يكون ان ما شعر به العالم من راحة لما وصل اليه من سيطرة على الامراض والاوبئة في السنوات الماضية جعله يغفل اهمية الاستعداد دائماً الى ما هو اسوأ، وقد اصبحت لدى بعض الدول وخصوصا الدول الغنية الثقة الزائدة في قدرتها بالسيطرة على اي وباء والذي للأسف اظهر هشاشة الانظمة في التعامل مع الاوبئة وبين الحاجة الماسة الى التفكير في آليات واستراتيجيات جديدة للتعامل مع الاوبئة والاستثمار في الكوادر الميدانية المؤهلة في مجال الصحة العامة والاستمرار في تدريبها بالإضافة الى ايلاء الابحاث التطبيقية والمعلومات الموثوقة الاهمية القصوى، وهنا يجب علينا ان لا نغفل عن اهمية دعم الدول الغنية للدول الفقيرة في بناء منظوماتها للتأهب والاستعداد ودعم البرامج التدريبية طويلة وقصيرة الامد، اذ انه وبدون هذه الرؤيا لن يتم السيطرة على الأوبئة بطريقة فعالة في المستقبل فالكل يعيش على كوكب واحد والمسؤولية مشتركة ومن هنا جاء الاحتفال باليوم العالمي للوبائيات التطبيقية والذي يصادف في السابع من شهر ايلول من كل عام ليظهر ويبين الاهمية والدلالة المُتميزة، وللفت أنظار العالم والمعنين بالصحة العامة ومُكافحة الأوبئة لأهمية تعزيز التدابير الوقائية من الأوبئة وتوفير منظومةً مِن البرامج التدريبية والتطبيقية المُتخصصة في التصدي والتأهب للأوبئة بأنواعها ومُسمياتها المُتعددة، وتزداد أهمية هذه المُناسبةِ لتزامنها مع ذروة أحداث الجائحة العالمية لفيروس كورونا COVID-19، حيث اظهرت البرامج التدريبية للوبائيات التطبيقية الفاعلية في قُدرتها على تعزيز آلية الرصد والإنذار المُبكر والاستجابة السريعة لمواجهة فيروس كورونا على خطوط التماس المُتقدمة. وان دور خريجي الوبائيات التطبيقية في وتحليل وتوثيق البيانات المُستخلصة وتجويدها، ودعم الاستقصاء الوبائي، وضبط العدوى في المُستشفيات، ومُتابعة المُخالطين عبر المنافذ الحدودية ورصد الحالات المُصابة كان له الأثر الكبير في الاحتواء والسيطرة والحد من الانتشار للوباء في بدايته في معظم بلدان اقليم شرق المتوسط، وقد برهن الواقع الصحي الذي يتعايش معه العالم الآن على قُدرة الدول التي تمتلك منظومة مُتخصصة من البرامج التدريبية والتطبيقية للوبائيات على فاعلية وصلابة نظامها الصحي في مواجهة التحديات الراهنة والمُستجدة، لتمكُنها ولقدرتها على توفير الكوادر المؤهلة والمُدربة والتجهيزات الفنية المُساندة اللازمة والتي أسهمت جميعها بفاعلية وكفاءة في مُضاعفة النتائج الإيجابية وتحديد احداثيات خارطة الوباء بالمُقارنة مع الدول التي لا تمتلك أنظمة مُشابه. ولقد شاهدنا عن كثب مدى الحاجة إلى المهارات والخبرات والقدرات التي توفرها برامج تدريب الوبائيات على جميع المستويات، اذ انها تعتبر العمود الفقري في مجال الاستعداد والتأهب والتي برهنت بما لا يدع مجالاً للشك فيه بأنها محور اساسي وحجر الزاوية في عملية الاستعداد والتأهب الى تهديدات الصحة العامة.
وقد اثبتت برامج الوبائيات التطبيقية في اقليم شرق المتوسط على مدار 20 عاماً مرت، بانها باقورة ومنظومة متكاملة للصحة العامة وتشكل العصب الرئيس في الاستعداد والجاهزية حيث باتت المرجعية الاولى في الخبرات المتراكمة واحتياطي لا ينضب من الاستراتيجيات المبنية على الاسس العلمية والتي تعمل على استغلال التطور التكنولوجي والمعلوماتي والابداعي لرفع سوية وجودة الاداء في مجال التنبؤ والتخطيط في مجالات الصحة العامة، بهدف حماية السكان في البلدان والعالم اجمع و ان الجائحة كانت خير برهان ودرساً على اهمية وضرورة الاستثمار في برامج الوبائيات التطبيقية، والذي دفع مختلف بلدان العالم للاعتراف بالدور الريادي والمميز للوبائيات التطبيقية واهميتها، وكانت المقارنة واضحة في نتائج الاستجابة للجائحة متميزة في سرعة السيطرة والحد من الانتشار في البلدان التي تمتلك برنامج الوبائيات التطبيقية. وهنا برزت للعالم اجمع اهمية ادراج برامج الوبائيات التطبيقية كمحور اساسي في منظومة الاستعداد والجاهزية من خلال تبني واحد من ثلاثة مستويات لبرامج الوبائيات التدريبية والتطبيقية المعمول بها حالياً وهي البرنامج الأساسي ومدتهُ ثلاثة أشهر ثم البرنامج المتوسط لمدة سنه واحده وأخيراً البرنامج المُتقدم ومدتهُ سنتين. وان الشبكة الشرق اوسطية للصحة المجتمعية – امفنت كانت سباقه في اقليم شرق المتوسط في اخذ زمام المبادرة ضمن رؤية راسخة في مجال الصحة العامة والاستعداد والتأهب للطوارئ والازمات الصحية تهدف الى مجتمعات صحية آمنه في اقليم شرق المتوسط ضمن رؤية شاملة مع التميز في المنتج في مجال الوبائيات التطبيقية.
وقد بادرت عدد مِن دول إقليم شرق المتوسط الى تأسيس منظومة مُتقدمة مِن البرامج التطبيقية للوبائيات مُنذ وقت مُبكر وقبل ما يزيد عن ثلاثة عقود، لتكون هذه البرامج في مُقدمة وسائل الحماية المُجتمعية للصحة العامة وحاضنةً للمعلومات الضرورية المُتعلقة بالأوبئة والأمراض المُعدية والسارية، وكانت بداية انطلاقها في دول الإقليم من السعودية مُنذُ عام ١٩٨٨ ثم مصر عام ١٩٩٣ والاردن ١٩٩٨ والباكستان ٢٠٠٣، ثم تلتها العراق والمغرب والسودان وتونس واليمن وأفغانستان، حتى بلغ عدد الدول التي تمكنت الشبكة الشرق أوسطية للصحة المُجتمعية – امفنت مِن تأسيس هذه البرامج النوعية فيها، إحدى عشر دولةً ضمن دول إقليم شرق المتوسط، وذلك على غرار المراكز الامريكية لمُكافحة الأمراض، لقناعتها المُطلقة بأهمية ونجاعة هذه البرامج وقُدرتها على التصدي للأوبئة والفاشيات والأمراض المُعدية والسارية، وتحصين الصحة العامة وحماية المُجتمع والإبقاء على حالة التأهب المؤسسي بشكل مُستمر وفاعل.
وتعتبر امفنت عضوا ممتداً للشبكة الدولية لبرامج للوبائيات التطبيقية (TEPHINET) والتي تأسست في 1997 ، والتي تعنى بديمومة ونمو وتطور برامج الوبائيات التطبيقية (FETPs) على المستوى العالمي و يمتد برنامج TEPHINET على أكثر من 75 برنامجًا لتدريب اختصاصي الوبائيات التطبيقية في أكثر من 100 دولة من ضمنها اقليم شرق البحر المتوسط، وتعمل امفنت مع TEPHINET بشراكة دائمة للنهوض بمستوى الصحة العامة ومواكبة المستجدات الصحية العالمية وبما يتماشى مع متطلبات اقليم شرق المتوسط للحفاظ على صحة مواطني الاقليم والمشاركة بفعالية في الامن الصحي العالمي.
وختاماً نستطيع القول ان الاستغلال الامثل والدروس المستفادة من الجائحة أعطت الشبكة الشرق اوسطية للصحة المجتمعية – امفنت امكانية الاستثمار في الخبرات المتراكمة لبرامج الوبائيات التطبيقية في اقليم شرق المتوسط من خلال التحديث المستمر والمتوالي تبعا لتطورات الجائحة وكانت دائما ولا زالت على اهبة الاستعداد لتقديم كافة انواع الدعم لرفع قدرات هذه الربامج في التعامل مع الاوبئة وطواريء الصحة العامة من خلال ما تم انجازه من خبرات تراكمية على مر السنوات الماضية، وان من الاهمية بمكان العمل مع كافة الجهات الاقليمية والعالمية المعنية في التاهب والاستعداد للاوبئة من خلال دعم تبادل الخبرات بين بلدان الاقليم والاستفادة من قدراتهم والمعرفة التراكمية والمهارات المكتسبة لديهم. وتسعى الشبكة الشرق اوسطية للصحة المجتمعية – امفنت بالتعاون والتشاركية مع وزرارت الصحة في دول اقليم شرق المتوسط من خلال بناء رؤية مشتركة تضمن الاستثمار الامثل في مجال الاستعداد والتاهب للاوبئة والوصول الى اعلى درجات الجودة في تنفيذ الاستراتيجيات الصحية المشتركة وبناء وتطوير القدرات والقوى العاملة، وهي على ثقة بتمكين البدان في الاقليم من استخدام كافة الامكانات المتاحة فيها وفي الاقليم والتقليل من الاثرالسلبي للاوبئة ان حدثت، ومن خلال الرؤية في الشبكة الشرق اوسطية – امفنت لما بعد جائحة كورونا فقد بنت استراتيجتها للتعامل مع المستقبل في مرحلة ما بعد كورونا، مع الاخذ بعين الاعتبار البناء على ما تم من انجازات حققتها الشبكة الشرق اوسطية للصحة المجتمعية – امفنت ومنذ بداية الازمة من خلال المساهمة الفاعلة والمميزة لخريجي الوبائيات التطبيقية في الاستجابة لجائة كورونا ومن خلال الدعم الفني واللوجستي لجميع البرامج في اقليم شرق المتوسط، وهذه الانجازات شكلت وتشكل حافزاً للعمل والتخطيط للمرحلة القادمة من خلال زيادة الاستثمار والتوسع في برامج الوبائيات التطبيقية وزيادة اعدادها في دول الاقليم اخذين بعين الاعتبار التركيز على الديمومة والاستمرارية وجودة المنتج النهائي، ونتيجة للسمعة والاثر الطيب لما تم انجازة فان الشبكة الشرق اوسطية للصحة المجتمعية – امفنت على ثقة بالتقدم والنمو في الاقليم الى ما هو افضل في الاستعداد والتأهب للاوبئة من خلال استرتيجية شاملة ومتكاملة بنيت على اسس علمية واستشراق للمستقبل لمرحلة ما بعد كورونا ومن خلال الاستثمار في العلاقات القوية والراسخة مع وزارات الصحة في بلدان الاقليم واخذين بعين الاعتبار خصوصية الاقليم وما يمر به من ازمات متجذرة.

استشاري الوبائيات- المدير التنفيذي للشبكة الشرق اوسطية للصحة المجتمعية | امفنت

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock