ترجمات

انتحار نتنياهو السياسي

ألون بن مئير* – (ميدل إيست أونلاين) 4/12/2014

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يتسم إصرار رئيس الوزراء نتنياهو على تمرير مشروع قانون من شأنه تعريف إسرائيل بأنها الدولة-الأمة للشعب اليهودي بالوقاحة نفسها التي يتسم فيها إنكاره لحقيقة أن إسرائيل تشكل قوة احتلال. وإذا ما قيض لمشروع القانون أن يمرر الآن أو مستقبلاً، فإنه سينسف ما تبقى من ديمقراطية إسرائيل، ويدمر الملاذ الأخير لليهود، والذين ظلوا يتطلعون إليه منذ قرون، بدلاً من أن ينقذه.
يشير انهيار حكومة نتنياهو الائتلافية إلى مدى الانقسام الذي انطوى عليه هذا المشروع. ولعل السؤال الأكثر مدعاة للحنق، مع ذلك، هو لماذا ضغط نتنياهو، الذي يفترض فيه أن يكون فطناً سياسياً، من أجل تمرير مشروع القانون هذا، في وقت تتعرض فيه إسرائيل إلى ضغط دولي مكثف من أجل إنهاء الاحتلال، وسط انتقادات مؤثرة لانتهاجها سياسات التفرقة العنصرية ضد الأقلية العربية الكبيرة فيها.
يتحرك نتنياهو في هذا الاتجاه مدفوعاً باعتقاد ديني ضيق، والذي يوصي بأن تكون “أرض إسرائيل” ملكاً للشعب اليهودي بشكل أزلي، الأمر الذي لا يتطلب تقديم أي حجة لإثبات صحة هذا الاعتقاد. كما أن نشأته كإيديولوجي متحمس، قد تعزز من جانب والده الذي ظل يضبب له رؤيته ويمنعه من أن يرى الواقع المتغير على الأرض.
وفي الحقيقة، يعتقد نتنياهو بأنه مخول بحمل هذه “المهمة المقدسة” لتأطير مستقبل إسرائيل، بغض النظر عن أي معارضة محلية أو دولية. ويشعر بأنه “ملزم” بعمل ما يقتضيه الحال لإضفاء صبغة القدسية على الحق الحصري لليهود في “وطنهم” -بما في ذلك الضفة الغربية. وحتى قبل أن يقوم بحل حكومته، كان نتنياهو قد بدأ أصلا بالتفاوض مع الأحزاب السياسية الدينية للانضمام إليه في حكومة جديدة، واعداً بتقديم مخصصات مالية سخية لها لتسيير أمور وزاراتها طالما ظلوا واقفين وراءه ودعموا كوارثه.
من الصعب الاعتقاد بأن نتنياهو قد فقد كامل البصيرة فيما يتعلق بالسبب من وراء خلق إسرائيل في المقام الأول. وتجدر الإشارة إلى أن الهدف من وراء الحركة الصهيونية لم يكن خلق دولة يهودية على حساب الفلسطينيين عبر طردهم إلى خارج المكان الذي كانوا قد ولدوا فيه، وبناء المستوطنات على أرضهم وممارسة التمييز ضد المواطنين العرب في البلد. كانت إسرائيل قد خلقت لتوفير وطن للشعب اليهودي كأمة ديمقراطية وعادلة، بحيث لا يعود هؤلاء اليهود أولاد زنى الإنسانية، ويعرضوا الضيافة مثل أي أمة أخرى، ويعيشون بأمن وسلام.
لكن ما فعله نتنياهو ووزراؤه المضللون -ليبرمان وبينيت ويعالون وصحبه- هو العكس تحديداً: جعل إسرائيل دولة منبوذة معزولة، والتي تغرس اصبعها في عين المجتمع الدولي، وتصور اليهود على أنهم أناس لا يقبلون بالتسويات ولا يتنازلون، ومتعجرفون ويستطيعون تجاهل منتقديهم -سواء  كانوا من الأصدقاء أو الأعداء- بحصانة وإفلات من العقاب.
لا يتسبب نتنياهو وزمرته بدفعة لصعود نزعة المعاداة للسامية وحسب، بل إنهم يمنحون المعادين للسامية كل الذخيرة التي يحتاجون إليها من أجل تبرير مشاعرهم المعادية لإسرائيل، وارتكاب العنف ضد اليهود في كل مكان تقريباً.
سوف يكون جوهر وجود إسرائيل نفسه في خطر في حال تسلم نتنياهو السلطة مرة أخرى، وليس لأن الفلسطينيين عاقدو العزم على تدمير إسرائيل، أو لأن إيران تريد محو إسرائيل عن الخريطة بالأسلحة النووية، وإنما لأن يعمل بتصرفاته نفسها على تفكيك قضية حق إسرائيل في الوجود.
هناك مجموعة كبيرة جداً من المسؤولين الإسرائيليين الحاليين والسابقين على حد سواء، بمن فيهم الرئيس ريفلين والرئيس السابق بيريز وعشرات العلماء والمحترفين الأمنيين، وملايين الإسرائيليين، وكل حلفاء إسرائيل، والذين لا يرون أي تساوق أو مسوغ لاقتراح أن مشروع قانون يهودية الدولة هذا سوف يجعل إسرائيل أكثر أمناً أو أكثر يهودية مما هي راهناً.
كانت خطة التقسيم في العام 1947 قد دعت إلى تأسيس دولة يهودية، وكل رمز في البلد يشهد على يهوديتها: فهي لديها أغلبية يهودية، وهوية قومية يهودية، ورموز يهودية ونشيد وطني يلبي توق اليهود إلى “أن نكون شعباً حراً في وطننا”.
بالنسبة لبلد من يفترض فيه أن يحترم حرية وحقوق كل مواطن، فإن مشروع القانون هذا سيلغي كل مبدأ ديمقراطي وحر. ولن يكون الإسرائيليون أحراراً أبداً وفي سلام طالما ظل العرب الإسرائيليون يعانون من التفرقة ضدهم، وطالما استمر الاحتلال جاثماً على صدورهم.
لن يضمن أي مشروع قانون أو تشريع أو اعتراف من جانب الفلسطينيين بالدولة اليهودية تحقيق الهوية اليهودية لإسرائيل أكثر من كونها أغلبية يهودية مستدامة.
لقد فقد نتنياهو أرضية سياسية هائلة: وقد لا تتجسد ذلك اليوم، لكنه سيغوص إلى داخل عقول الإسرائيليين في نهاية المطاف وسيتساءلون عن السبب في حدوث كل هذا الانحراف.
بدلاً من صنع سلام مع الفلسطينيين والاحتفاظ بالمبادئ الديمقراطية للبلد من أجل اجتذاب المزيد من اليهود إلى إسرائيل، يقوم نتنياهو بتحييد وتنفير مئات الآلاف من اليهود الإسرائيليين الذين سئموا وملوا من الصراع غير المنتهي أبداً مع الفلسطينيين، ويختارون مغادرة إسرائيل. وعبر طرحه مشروع القانون الجديد، يلحق نتنياهو أكبر الضرر بصورة وموقف إسرائيل الدوليين، ويستفز مشاعر الغضب من جانب مئات الآلاف من المواطنين العرب الإسرائيليين الذي يشعرون الآن أنهم تعرضوا للخيانة والتغريب عن مواطنيهم من اليهود الإسرائيليين.
بالإضافة إلى ذلك، فإن مشروع القانون الذي يطرحه نتنياهو لا يفعل شيئاً سوى اعتبار مواطني إسرائيل العرب غير مرغوبين وغير جديرين بالمواطنة الإسرائيلية: أي أنهم بالأساس لا يتوافرون على أي مستقبل في البلد الذي ولدوا فيه. وفي الحقيقة، نجد أن نتنياهو يشن حرباً إرهابية نفسية ضد قطاع كبير من المواطنين الإسرائيليين، بينما يرسل رسالة واضحة للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، مفادها أن حل الدولتين كله قد أصبح شيئاً من الماضي.
لا شك في أن مشروع القانون الذي يريد نتنياهو أن يمرره هو بمثابة المتفجرات التي يريد مفجر انتحاري أن يلفها حول خاصرته وإصبعه على الزناد أو الصاعق. وما إذا كان نتنياهو سيضغط على الزناد أم لا، فقد أظهر أصلا مدى البعد الذي سيذهب إليه من أجل الوفاء بـ”مهمته” العمياء التي ادعاها لنفسه، والتي ستمطر الفوضى على الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء. ويجب عدم منح نتنياهو الفرصة مرة أخرى لتقديم مشروع هذا القانون الشرير.
إنهم شعب إسرائيل فقط هم الذين يستطيعون إرسال نتنياهو إلى تقاعد أبقدي، وإنقاذ حلم اليهود الذي دام ألف عام في العيش كشعب حر، مع جيرانهم العرب بعزة وكرامة وأمن وسلام.

*أستاذ العلاقات الدولية في مركز الشؤون العالمية في جامعة نيويورك. ويدرس مساقات في المفاوضات الدولية وفي دراسات الشرق الأوسط.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
 How Netanyahu Committed Political Suicide

تعليق واحد

  1. الناخب الاسرائيلى فى ورطة
    سقط نتانياهو فعليا بعد الحرب الثالثة على غزة..لكنه لم يسقط بمفرده بل بحكوماته و جيشه وكنست ..فكيف يحاسب الناخب الاسرائلى نتانياهو وحده؟

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock