ترجمات

انتخابات إسرائيل القادمة: لماذا لن تحدث فرقاً

ريتشارد سلفرستاين* – (ذا بالستاين كرونيكل) 8/12/2014

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

ماذا لو دعوا إلى انتخابات ولم يأت ليشارك فيها أحد؟ هذا هو ما أشعر به حيال انتخابات آذار (مارس) المقبلة، والتي سارع بيبي نتنياهو إليها، لا لسبب واضح سوى إطالة أمد سجله كأكثر رئيس وزراء إسرائيلي قضى وقتاً في المنصب. وبهذا المعدل، سوف يحنطونه في مكتب رئيس الوزراء في القدس مثل لينين في الكرملين. وسيترتب عليهم تغيير لقبه ليصبح “رئيس الوزراء مدى الحياة”. لكن المفارقة تكمن في أن 60 في المائة من الإسرائيليين الذين استطلعت آراؤهم لا يحبونه، أو لا يريدونه أن يكون رئيس الوزراء.
إذا كنت شكاكاً (وسيكون ذلك مفيداً عندما تراقب إسرائيل ونظامها السياسي)، فإنك ستقول إن “بيبي” كان قد عكف على هندسة التطورات الرئيسية لأشهر لكيف تفضي إلى توجيهه الدعوة إلى إجراء انتخابات جديدة. ليس هناك شيء أفضل من حرب جيدة ضد غزة أو لبنان من أجل زيادة أعداد مقترعين. ولديّ القليل من الشك في أن عملية “الجرف الصامد” كانت جزءاً من خطته للتحضير للانتخابات. وحتى لو لم تكن كذلك، فإنها أسقطت هدية حملة انتخابات رائعة في حضنه.
بالإضافة إلى ذلك، كانت الاستفزازات الإسرائيلية التي أفضت في الشهر الماضي إلى وقوع هجمات إرهابية وعمليات قتل، ترسي على الأرجح أرضية العمل للانتخابات. وليس هناك أي شيء أفضل من تقديم لحم أحمر إلى “كلاب” الاستيطان من جناح أقصى اليمين في الليكود -مع هجمات الشرطة على المسجد الأقصى وطرد الفلسطينيين من سلوان للمضي قدماً في تهويد القدس الشرقية -لدفع القوميين المتطرفين للتصويت لليكود.
عملت السلسلة الأخيرة مما أسميه “مشاريع قوانين السباق الانتخابي” في الكنيست (التي يصفها الإسرائيليون بأنها “قوانين قومية”) على احتكار الخطاب السياسي أيضاً. وحتى مع أن هذه المقترحات العنصرية تظل موضع انتقاد في الخارج، ومن أناس ليسوا أقل من “التعويذتين الساميتين” -شمعون بيريس وريوفن ريفلين (الرئيسين الإسرائيليين السابق والحالي)، وأنه من غير المرجح أن تمر في شكلها الحالي، فإنها سوف تروق تماماً لنحو 60 في المائة من الإسرائيليين الذين تظهر استطلاعات الرأي أنهم ينطوون على وجهات نظر عنصرية حيال الفلسطينيين.
هناك خطوة حاسمة أخرى أقدم عليها الكنيست من أجل تخدير اليسار، والتي تمثلت في رفع العتبة الانتخابية للأحزاب السياسية من 2.5 إلى 4 في المائة. وليس من قبيل المصادفة أن كل الأحزاب الفلسطينية تفوز بما يقل عن 4 في المائة من الأصوات. والفكرة هي أنه ما لم تتوحد هذه الأحزاب، فإنها ستُحرم من دخول الكنيست. وهكذا، وبدلاً من أن يحوز الفلسطينيون الإسرائيليون على نصف التمثيل الفعلي الذي يجب أن يحصلوا عليه بالنسبة لعددهم الفعلي في الكنيست الحالي، فإنهم لن يحصلوا على أي شيء. كانت هذه خطوة عنصرية ذكية في العديد من الطرق. فحتى لو اندمجت الأحزاب العربية في داخل كيان واحد، فإن الفلسطينيين الذين يرفض نصفهم على الأغلب المشاركة في العملية الانتخابية على الإطلاق، سيكونون أقل اندفاعاً بكثير إلى التصويت.
تخيلوا لو أن المحافظين والديمقراطيين الاشتراكيين في المملكة المتحدة أجبروا على الاتحاد حتى يتمكنوا من تخطي العتبة الانتخابية. كم سيكون عدد المقترعين من كل حزب ممن سينصرفون عن التصويت بسبب التقليل من قيمة مشاركتهم، إلى الدرجة التي سيقولون معها: ليذهب الحزبان إلى الجحيم، ومن الأفضل في أن أجلس في بيتي؟ أتوقع أن هذا هو ما سيحدث على الأرجح في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
ليس هذا تمريناً أكاديمياً، ولن يقتصر تأثيره على الفلسطينيين الإسرائيليين. إنه مخطط آخر في صف طويل من المخططات الناجحة، والمصممة لإضعاف اليسار الإسرائيلي أيضاً. لقد هندس اليمين القومي المتطرف (الذي يمنع التدخل الخارجي) أغلبية دائماً للاتجاه الاستيطاني. وفي الأثناء، تحتضر الديمقراطية الإسرائيلية. وسوف يكون أي مجتمع يقصي 20 في المائة من سكانه باسم التفوق اليهودي في طريقه إلى جحيم سياسي.
جاء إعلان نتنياهو عن طرد وزيرين وسطيين من ائتلافه، يائير لابيد وتسيبي ليفني، اللذين اتهمهما بترتيب انقلاب، في باب المسرح السياسي. إن الفكرة القائلة إن الأحزاب الوسطية الإسرائيلية الضعيفة بشكل يبعث على الشفقة، والتي لا تتوافر على التماسك والفطنة أو الشجاعة لتنظيم مثل هذه المناورة السياسية، هي أكثر من سخيفة. ولا تستطيع ليفني ولا يستطيع لابيد الاتفاق حتى على تحديد ما هو اليوم، ناهيك عن الانضمام معاً للاستيلاء على الحكومة. لكن الهوس بالتآمر وهذا النوع من المسرحيات يروقان تماماً للناخب الليكودي الذي يشم دائماً جرذاً “يسارياً” متواطئاً.
يتوقع من نتنياهو الذي كان أداؤه في الانتخابات الأخيرة بائساً تماماً، مما أجبره على تشكيل ائتلاف من القوميين في أقصى اليمين مع الأحزاب اليمينية الليبرالية الوسطية الصهيونية، أن يكون أداؤه الآن أفضل في الانتخابات المقبلة. لقد تمكن من تحييد الوسط السياسي، وحفز اليمين بالسياسات الموصوفة أعلاه. وقد انخفضت معنويات المعارضة، بينما يتمتع الائتلاف الحاكم بالنشاط. ويعد هذا الواقع بانتصار أكيد للائتلاف اليميني.
دعوني أقُل الآن شيئاً من الهرطقة لمعظم المراقبين للسياسة الإسرائيلية: إن من يكسب ليس مهماً. وحتى في الحالة المتصورة لفوز لابيد أو ليفني، تتغير السياسات على نحو كبير. من المؤكد أنه سيتم إلقاء القليل من الفتات لحركة العدالة الاجتماعية. وربما توجه الدعوة للزعيم الفلسطيني، محمود عباس، للزيارة. وقد تسمح إسرائيل بعقد الاتفاقية النووية مع إيران ولا تهدد بمهاجمتها. لكن أي رئيس وزراء إسرائيلي لن يكون قادراً -أو راغباً في التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين أو أي دول مواجهة أخرى (لبنان وسورية). ببساطة، ليس هناك إجماع على هذا، ولا يملك أي أحد شجاعة القلب لمحاولة التوصل إلى اتفاق.
كما لا يهم كثيراً من هو الذي يتم انتخابه لعضوية الكنيست. فرغم أن هذه الهيئة تشكل الفرع التشريعي في إسرائيل، فإنها لا تفعل سوى القليل من العمل النفيس الذي له أثر كبير على المجتمع الإسرائيلي. إن الذي ينفذ سياسة الحكومة هو دائرة ضيقة من النخبة السياسية والعسكرية والاستخباراتية، بمن فيها رئيس الوزراء ووزيرا الدفاع والمالية، ورؤساء الاستخبارات ورئيس هيئة أركان قوات الدفاع الإسرائيلية. ويكمن الهدف الرئيسي للكنيست والحقائب الوزارية فقط في تسليم الحصص السياسية للداعمين والفصائل. وهذا هو السبب أن أحزاب الحاريديم والمزراحيم والمتشددين الأرثوذكس أدت أداء جيداً جداً في الحكومات السابقة. كانت لديها القليل من المصلحة في التأثير على السياسة بطرق كبيرة. وأراد مالكوها الحصول على إقطاعيات سياسية يستطيعون من خلالها تحقيق المكاسب والرعاية، إلى جانب المسرحية الأخلاقية اليهودية المتعلقة بإدامة السيطرة الحاخامية على الزواج والطلاق.
في ديمقراطيات أخرى، يكون هدف الفرع التشريعي هو الإشراف على الفرع التنفيذي: مراجعة السياسات والتمويلات وضمان توزيع وظائف الحكومة بطريقة نزيهة وشفافة. لكن الكنيست لا يراقب رئيس الوزراء ولا الفروع العسكرية أو الاستخبارية كما قد يتم في ديمقراطية حقيقية. ولا يقوم أعضاؤه بالكثير من الأعمال لتهدئة الخواطر. إنهم يجرون المقابلات مع الصحف والتي يتحدثون فيها عن الغضبة الفلسطينية الأخيرة. ويروق هذا كله لناخب يبتلع الطعم المتعلق بالفلسطينيين. ولا تختلف الغاية النهائية للمزايدات عن مجرد تحضير الذات للانتخابات التالية. وكلما حصلت على مساحة أكبر في الصحيفة اليومية الإسرائيلية، إسرائيل اليوم، أصبحت في مرتبة أعلى في قائمة الحزب، وتصبح الأكثر ترجيحاً لأن تدخل الكنيست ولأن تصبح وزيراً. إن الإسرائيلية ليست أكثر من قطار الكسب غير المشروع، الذي يقود إلى جني الفوائد والرعاية.
حتى لا يشك أي أحد في هذا، لنأخذ المسيرة السياسية لإيهود أولميرت كنموذج: من البداية تقريباً، عندما أصبح عمدة للقدس، مروراً بدوره كوزير ثانوي في المجلس الوزاري صعوداً إلى أن أصبح رئيساً للوزراء، كان أولميرت يمارس الخداع طوال اليوم. كان كل شيء تقريباً معروضاً للبيع مقابل السعر المناسب. ولو لم يستطع إيجاد إسرائيليين قادرين على تمويل أسلوب حياته، فإنه كان يتحول إلى يهود الشتات بلطف، مثل البليونير أس. دانيال أبراهام، ليمطروه بالصناديق المليئة بالمال.
الآن، يشكو أولميرت من سوية أداء السياسة الإسرائيلية، وكيف أنه يتم عمل القليل لحل المشاكل الحقيقية. لكنها عندما واتته الفرصة لصنع السلام مع السوريين والفلسطينيين، فإنه تردد وأحجم. في الحالة الأولى فضل إشعال حرب عديمة الفائدة ضد غزة على التوقيع على اتفاقية مع الرئيس السوري الأسد. فقط عندما يترك الساسة الإسرائيليون السلطة، تراهم يظهرون مثل شبح هاملت.
لكن نتنياهو لم يتبع المسار نفسه تماماً. إنه فاسد، ولكن ليس بالمقدار نفسه (على حد علمنا). إنه مندفع إيديولوجياً أكثر من أولميرت. لكنه حتى “بيبي” يريد أن يرتب أشرعته لتتواءم مع الرياح السائدة. ورغم أنه يكره فكرة قيام دولة فلسطينية، فقد أعطى لجورج بوش خطاباً، والذي وافق فيه عليها، بينما يشير بيديه من خلف ظهره إلى عدم الموافقة.
إن هدف بيبي الرئيسي ليس صنع علامة لا تقبل المحو كرجل دولة. ليس أن يحل مشكلة قومية شائكة. إن هدفه هو البقاء السياسي. التوق. إنه يحب سماع صوته الخاص وهو يلقي الخطب في الأمم المتحدة أو أمام الكونغرس. ذلك يجعله يشعر بالإطراء.
إنه لا يتوافر على رؤية استراتيجية. وهو لا يحاول الانتقال من النقطة “أ” إلى النقطة “ب” في ما يتعلق بانتهاج أجندة سياسية. إنه قانع بالمستوطنين الذين يقدمون العاطفة الإيديولوجية والطاقة. وهو يجلس فوق كل ذلك مثل مايسترو يقود الأوركسترا، متأكداً من أن لا يعزف أحد كثيراً جداً خارج اللحن.
في العام 2011، أرسل جيري هابر عبارة على الشبكة: “بيبي سيصبح رئيساً للوزراء” وهو ما بدا ضرباً من الهرطقة بالنسبة للبعض. ولست متأكداً مما إذا كنت قد وافقته الرأي في ذلك الحين. لكنني الآن أوافقه. وفي الحقيقة، كنتُ لأفضل انتصاراً يحرزه أحد يكون حتى أكثر تطرفاً، مثل ليبرمان أو بينيت أو دانون. هؤلاء سوف يكشفون أنياب ومخالب العنصرية والفاشية الإسرائيلية. وسوف يعرف العالم ما الذي سيحصل عليه مع وجود ذلك الطاقم. لن تكون هناك كلمات رقيقة مصطنعة، ولن تكون هناك عبارات غامضة أو مراوغة، ولا أمل بمحصلات مستقبلية أفضل. وبمجرد أن تنتخب إسرائيل خيار نهاية العالم، فإنها لن تكون هناك عودة وراء إلى دولة ديمقراطية ليبرالية. ولن يكون هناك حنين إلى ماضي الكيبوتسات والنزعة الجماعية والديمقراطية الاجتماعية. سوف يُلقى بذلك كله في سلة نفايات التاريخ الإسرائيلي.
هذه المرة، سوف تتكشف إسرائيل مثل الكائنات الفضائية المسوخ في الأفلام، التي تنسل بدون أن يكتشفها أحد إلى داخل آدميين جيدين وغير موضع شك. ولكن، عند نقطة معينة، يتفجر هؤلاء الغرباء في الأجساد قاتلين مضيفيهم، فيما يظهرون أنفسهم بكل “مجدهم” المرعب. تلك هي الوجهة التي تتجه إليها إسرائيل.
لقد كانت لفرنسا جمهورياتها. ومثل فرنسا، اشتمل تاريخ إسرائيل على ملوك وأنبياء وقضاة وغزاة ورؤساء وزارات. والآن، تغلق إسرائيل فصلاً آخر من تاريخها. تتحول حقبة الدولة-الأمة الديمقراطية إلى نظام ديني يهودي. وبكلمات (الشاعر) ييتس، فإنه ثمة الآن “وحش ضار حضرت ساعته أخيراً، ويسير بخرق” باتجاه القدس حتى يولد. وكلما كان ظهور هذا الوحش وإلحاقه القدر التام من دماره قريباً، أدرك العالم بشكل أسرع أن عليه التصرف للحيلولة دون وقوع كارثة أكبر. سوف تصبح الأمور أسوأ، وأسوأ بكثير، قبل أن تصبح أفضل.

*يكتب مدونة “تيكون أولام” المكرسة لتعرية انتهاكات دولة الأمن القومي الإسرائيلية. ينشر مقالاته في صحف إسرائيلية وعالمية عدة.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Israel’s Upcoming Election: Why It doesn’t Matter

تعليق واحد

  1. لا تهتموا بهده الواضيع
    كلهم اعداء وكلهم متحدون ضدنا وكلهم زناديق وهده المواضيع لا تعنينا بشيء لأن كلها تمثيليات على العالم

انتخابات 2020
27 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock