أفكار ومواقف

انتخابات المرشحين للانتخابات مضادة للدستور والديمقراطية

تتكرس عمليات غير رسمية لانتخاب مرشح للعشائر أو المناطق لأجل الانتخابات النيابية والبلدية، وتكاد تتحول إلى تقليد مؤسسي، وبرغم أنها آلية فاعلة لمواجهة تشتت الأصوات والترشيح في الدوائر الانتخابية أو على مستوى العشائر والمناطق، فإنها عملية تتضمن تناقضا مع الحكمة الأساسية للانتخابات التي يفترض أن تعكس الإرادة الحرة للمواطنين والمساواة التامة بينهم في الاختيار والترشيح، وعدم اليقين، بمعنى أن الانتخاب عملية جدلية غير يقينية وتكمن أهميتها في ذلك، فهي ليست لقياس الإجماع أو تشكيله أو التعبير عنه، لكنها تعكس الجدل والتنوع والاختلاف في اتجاهات وأفكار الأفراد والجماعات، فهذا التنوع والاختلاف وعدم اليقين ينشئ المراجعة المتكررة للاتجاهات والأشخاص، كما يكرس عمليات التقييم والمتابعة للنواب ورؤساء وأعضاء المجالس البلدية والنقابات. وبرغم خطورة التشتت في التصويت والترشيح ووجود فرص للاستدراج والتلاعب والتأثر غير القانوني في مسار الانتخابات سواء في الترشيح بهدف الإفشال، أو شراء الذمم أو التأثير غير الديمقراطي على اتجاهات المواطنين؛ تظل الانتخابات في هيئتها الأصلية والنقية هي المرجعية الأساسية والرهان الذي لا يجوز التراجع عنه اجتماعيا وسياسيا كأداة وحيدة حاكمة لقياس واعتماد اختيارات المواطنين وتطبيق أفكارهم واتجاهاتهم.
إن الانتخابات في جوهرها ومسارها ليست مثالية، ولم يقصد بها أبدا أن تنشئ إجماعا أو اتجاها مثاليا يتسم بالكمال أو يعتقد أصحابه أنه كامل، ولكنها تهدف وعلى نحو واعٍ ومقصود أن تكون غير كاملة، فالإنسان يدرك ببصيرته على نفسه أنه تحركه دوافع وقيم عقلانية وروحية واجتماعية، كما تحركه أيضا غرائزه الأساسية في البقاء والخوف والبحث والتأمل، وهي غرائز ضرورية لاستمرار الحياة وتحسينها، وتحركه أيضا مصالح وأهواء ورغبات كثيرة ومعقدة، وفي تفاعل هذه القيم والأفكار والغرائز والمصالح يتشكل الجدل والاختيار، على نحو غير يقيني وأقرب إلى التجربة، .. وهذه هي غاية الانتخابات، إذ هي ليست أداة لقياس الصواب أو الإجماع لكنها أداة اختيار من بين خيارات كثيرة ومعقدة؛ ما يعني بالضرورة أن أحدا لا يملك ولا يعرف الصواب، ولا الحق في ادعاء الإجماع أو الأفضل أو الحق الذي لا يقبل النقض والمراجعة، فلو كانت مرجعية المجتمعات والأمم هي الصواب والإجماع لما كان ثمة حاجة ابتداء إلى انتخابات؛ فنحن ببساطة نذهب إلى الانتخابات لأننا لا نعرف، ولا نعرف أيضا ماذا سنقرر في الانتخابات القادمة، فربما تكون الاتجاهات والترشيحات التي لم تنجح في الانتخابات الراهنة هي ذات النتائج الأكثر أصواتا في المرة القادمة.
وتتضمن الانتخابات الداخلية أو التمهيدية انتهاكا خطيرا لسيادة الأمة وولايتها على القيم والاتجاهات كما السلطات أيضا؛ ما يجعلها غير دستورية وغير قانونية؛ إذ لا يحق لأي جهة غير المؤسسات المفوضة بحكم الدستور والقانون أن تدير هذه الولاية والسيادة أو أن تتدخل بها أو أن تؤثر بها بغير الوسائل المحددة والمقبولة في القوانين والأنظمة الانتخابية وهي الجدل والبيان والبرامج الانتخابية والمناظرات والحملات الإعلامية والسياسية والاتصالات الشخصية والعامة؛ بمعنى أنها أدوات وأفكار غير ملزمة، ولذلك فإنه من المهم والضروري أن تتدخل السلطة التنفيذية المكلفة بإدارة وتنظيم الانتخابات لمنع أي إجراء مؤسسي ومنظم يؤثر في إرادة الناخبين والمواطنين على نحو مختلف عن إرادة وحكمة المشرع الأساسية؛ ذلك عدا عن كونها انتخابات متحيزة تقتصر غالبا على الذكور، أو على فئة من الناخبين وليس جميع مواطني الدائرة الانتخابية.
مؤكد بالطبع أن الانتخابات عملية مليئة بالعيوب والنقص، لكنها هي الأقل سوءا في ما اجترحت البشرية من أدوات ومؤسسات للاختيار وتنظيم الجدل، وعلى سبيل المثال فإن الإسرائيليين فشلوا مرتين متتاليتين في إدارة انتخابات تتمخض عن أغلبية منتخبة تشكل الحكومة، وسوف يعيدون الانتخابات للمرة الثالثة، لكنهم كما جميع الأمم الديمقراطية لا يفكرون بسبب ذلك بإلغاء أو إفساد الانتخابات.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock