آخر الأخبار-العرب-والعالمالسلايدر الرئيسيالعرب والعالم

انتخابات “حماس” الداخلية: عودة مسار مشعل المعتدل أم مفاجآت غير محسوبة

نادية سعد الدين

عمان – تنشغل حركة “حماس”، حالياً، بالتحضير لانتخاباتها الداخلية التي تبدأ مطلع العام المقبل، لفرز رئيس وأعضاء مكتبها السياسي الجديد، وسط أنباء عن احتمال عودة رئيسه السابق، خالد مشعل، إلى واجهة المنافسة على تسلم مهامه مجدداً، أمام خصمين لا يقلان ضراوة عنه ممثليَن برئيسه الحالي إسماعيل هنية ومسؤول غزة يحيى السنوار، في ظل تحديات محلية وإقليمية ودولية وازنة محدقة بالحركة وبالقضية الفلسطينية.
وقد دفع اهتمام “حماس” بملفات شائكة، متعلقة بانتشار فيروس “كورونا” وبالمصالحة الفلسطينية والتحديات المحدقة بالمشروع الوطني، إلى حسم أمر إجراء انتخاباتها الداخلية، التي تجري كل أربع سنوات، مطلع العام المقبل، وعدم تأجيلها لفترة أطول أو تمديد عمل مهمة المكتب السياسي الحالي لولاية أخرى، أو تجديد انتخابه بالتزكية، كما كان التوجه السائد.
ومن المتوقع أن تشهد الفترة الراهنة والمقبلة حراكاً انتخابياً “حمساوياً” مهماً على مستوى المناطق، داخل الوطن المحتل، في الضفة الغربية وقطاع غزة وسجون الاحتلال الإسرائيلي، وخارجه، والممتد، على أقل تقدير، حتى نهاية شهر إبريل (نيسان) المقبل أو مطلع الشهر اللاحق به، بدءاً من قواعدها التنظيمية، وانتخاب مجلس الشورى، الذي يعد أعلى سلطة في الحركة وبمثابة برلمانها العام، ووصولاً لانتخاب مكتبها السياسي الجديد.
وبالرغم من أن سقف التوقعات ينشط في تلك الفترة حيال رئيس المكتب السياسي الجديد للحركة، إلا أن الانتخابات هذه المرة تختلف عن سابقاتها، لجهة التوقيت والمنافسة، في ظل وضع “حماس” الحرج، وإزاء المتغيرات الإقليمية والدولية المحيطة بها.
وتنحصر الخيارات المحتملة لقيادة الحركة في إسماعيل هنية، الذي تسلم رئاسته خلفاً لمشعل في العام 2017، مع إمكانية بقائه رئيساً لولاية ثانية، لاسيما وأنه يحظى بتأييد وازن لدى قاعدة “حماس” السياسية والعسكرية، حيث من المتوقع أن يبقى خارج قطاع غزة حتى انتهاء انتخابات المكتب السياسي الجديد، والتي ستحدد إما بقاءه في الخارج أو عودته للقطاع.
غير أن الحراك الانتخابي يأخذ هذه المرة طابعاً مغايراً مع عودة خالد مشعل إلى واجهة المنافسة على المنصب الرئاسي للحركة، حيث يعتقد أنصاره من أعضاء الحركة بأنه الأنسب في هذه المرحلة أمام المتغيرات الجارية في المنطقة، ووضع الحركة الحرج.
ويدعم هذا التوجه المناصر لمشعل ما يتمتع به من شخصية معتدلة، ونمط تفكير متزن، ومنهج قيادة تنسجم مع المتغيرات الإقليمية والدولية، وشبكة علاقات واسعة مع أطراف مهمة على المستويين الإقليمي والدولي، فضلاً عما يمتلكه من كاريزما قيادية قادرة على حسم الكثير من القضايا التي تحتاج للمعالجة، لاسيما المصالحة، الذي وعد بالالتزام بها، وتجسيدها عملياً لإنهاء الانقسام، وتحقيق الوحدة الوطنية.
ومن شأن انتخابٍ لمشعل أن يسهم في تعزيز المحور المعتدل داخل حركة “حماس” الذي سيعكس نفسه في لغة وماهية التعاطي مع الملفات الشائكة التي تواجه الحركة، وسيعزز من مكانتها على المستويين العربي والإقليمي، ومن علاقتها على المستوى الدولي، مثلما يخدم مخطط الحركة لإعادة ترتيبها وبناء مؤسساتها داخل الوطن المحتل وخارجه، بما يتماشى مع مصالحها ورؤيتها الإجمالية.
بيد أن اللافت في عودة مشعل بأنها تتم بحلة جديدة، لاسيما عقب الكلمة التي أدلى بها، مؤخراً، ودعا فيها إلى إعادة تغيير وظيفة السلطة الفلسطينية، إذ أن إنهاءها يحتاج توافقاً وطنياً، والذي يعد أيضاً مطلباً لكيفية إدارة غزة، في حال اختيار حل السلطة، مع تأكيده بعدم قبول دولة في القطاع بمعزل عن الضفة الغربية أو الكل الفلسطيني.
كما برز مؤخراً كثافة النشاط السياسي لمشعل، على مستوى التحركات عبر الدول العربية والإسلامية والأوروبية واللقاءات المهمة مع المسؤولين والرؤساء، وكأنه يستعد للعودة إلى رئاسة الحركة في انتخاباتها المقبلة، فضلاً عن الدعاية الانتخابية المصاحبة لتحركاته والتي تصوره على أنه صاحب الفكر المتزن والعقلاني والبعيد المدى، حيث شارك مؤخراً في عدة لقاءات عن بعد مع شخصيات فلسطينية بهدف طرح نفسه كمرشح جامع وموحد للحركة، لاسيما في ظل التحديات التي تواجهها راهناً.
غير أن المعسكرات السياسية داخل “حماس” لا تتوقف عند مشعل وهنية فقط، عبر احتمال دخول القائد الأمني والعسكري للحركة في قطاع غزة، يحيى السنوار، على خط المنافسة، وهو الذي يحظى بعلاقات طيبة مع مصر ويسعى لإعادة مركز قيادة الحركة للقطاع، حيث تسمح قوانين الحركة الداخلية ترشحهم إلى جانب شخصيات أخرى مثل موسى أبومرزوق وصالح العاروري، مما يؤدي إلى تشعب المواقف وتباينها، وتزايد حجم وحدة الأزمات التي تعيشها الحركة حالياً.
الانتخابات الداخلية ومسار الحركة
ليس متوقعاً أن يُغير مآل حسم نتيجة انتخابات رئاسة المكتب السياسي الجديد للحركة في منظور الحركة ولا بمفاهيمها أو محدداتها الاستراتيجية، والتي تتناقل، في مجملها العام، مع مسؤوليها المتعاقبين، فيما قد يشكل رؤية “حماس” نحو الانفتاح على الجميع عنواناً بارزاً للمعركة الانتخابية للحركة.
ولكن ذلك لا يخفي حجم الخلافات الحادة التي تطفو على سطح الحركة، والتي تبرز خطاباً متمايزاً بين قيادتي الداخل والخارج، يمس رؤيتها الاستراتيجية تجاه إدارة الصراع العربي – الإسرائيلي، ويقارب موقفها من التفاعلات الجارية في المشهد الإقليمي والدولي، فيما يدخل في صلب نظرتها للمصالحة الفلسطينية، وهي الملفات التي بقدر ما ستلقي بظلالها على الانتخابات، فإنها سترسم معالم خطى الحركة للمرحلة المقبلة.
وقد أصاب الخلاف، مؤخراً، عمق الهيكلية التنظيمية للحركة، بين من يرى ضرورة الحفاظ على “حماس” كامتداد تنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين، مقابل بين من يدعو لإضفاء الصبغة الوطنية الفلسطينية على “حماس” بصفتها حركة تحرر فلسطينية، غير أن قيادة الحركة تنفي ذلك وتحصره في إطار تباين الآراء والتوجهات التي لن تأخذ مدايات مغايرة.
كما يتنقل التباين الخلافي من الهيكل التنظيمي إلى التحرك العلائقي، الذي يمتد من تركيا وقطر وإيران ومصر، والذي يؤثر على الحركة بشكل أو بآخر، بالرغم من إدراكها لما تشكله مصر من عمق إستراتيجي وظهير مرجعي لحماس ولأهالي قطاع غزة، بحكم الجغرافيا السياسية والارتباط التاريخي ولمكانة مصر المركزية في المنطقة وفيما يخص العلاقة بالقضية الفلسطينية.
بيد أن تمتُع “حماس” بالتماسك التنظيمي، وآلية صنع القرار، يسمح لها باجتياز تنافس الرؤى الداخلية، بينما تدخل التحديات الداخلية والخارجية في حساب تقديرها الانتخابي، فيما تطل أخرى برأسها أمام قيادة الحركة في إدارة المرحلة المقبلة.
ويعد ملف المصالحة من أكثر الملفات إلحاحاً أمام حركتي حماس وفتح معاً، لأجل إنهاء الانقسام، بعيداً عن الارتهان بالإدارة الأميركية المنحازة إلى الكيان الإسرائيلي، وتدخل أطراف خارجية في الساحة الفلسطينية.
بينما ثمة إشكالية تواجه الحركة في علاقتها مع مصر، والتي ما تزال رواسبها قائمة رغم سعي “حماس” لمعالجة التوتر القائم بين القاهرة وغزة، فيما خلقت التفاعلات المرتبطة بالتغيرات الجارية بالمنطقة تحديات أمام الحركة، ستنسحب على علاقاتها الإقليمية والدولية في المرحلة القادمة، مما يضعها في مأزق.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock