أفكار ومواقف

انتخاب “الأعيان”

خلصت دراسة مقارنة أعدها مركز القدس للدراسات السياسية، حول “تجربة مجلس الأعيان في السياق الدولي”، إلى جملة من التوصيات “الثورية” لتطوير دور المجلس في الحياة السياسية الأردنية.
يمكن لنا أن نقسم التوصيات إلى حزمتين؛ حزمة قابلة للتطبيق الفوري، وثانية مؤجلة لحين تبلور الظروف الموضوعية اللازمة لتطبيقها.
الحزمة القابلة للتطبيق الفوري تتضمن: رفع “الكوتا” النسائية في المجلس إلى 20 %؛ وصدور قرارات مجلس الأمة “الأعيان والنواب” عند اجتماعهما بالأغلبية المطلقة، وليس بأكثرية ثلثي الحاضرين كما هو معمول حاليا؛ وإضافة لجنتين دائمتين للجان المجلس تختصان بتنمية المحافظات وبالأمن والدفاع الوطني. كما يمكن تطبيق توصية تخفيض عدد أعضاء المجلس بنسبة 30 % أيضا، مع أنها ستغضب كثيرا من الطامحين إلى العينية، وهم حسب معلومات موثقة أكثر بكثير من الطامحين إلى النيابة. فقبيل تشكيل مجلس الأعيان الحالي، بلغ عدد من تقدموا بطلبات “ترشيح” أنفسهم لدى الجهات المعنية حوالي 3 آلاف شخص، بينما لم يزد عدد المرشحين للانتخابات ثلث هذا الرقم في انتخابات سابقة.
الحزمة الثانية، والتي تتضمن انتخاب رئيس المجلس، واختيار ثلثي الأعضاء بالانتخاب من أعضاء الهيئات المنتخبة بالمحافظات، وتخفيض سن عضوية “الأعيان” من 40 سنة إلى 25، هي توصيات غير قابلة للتطبيق حاليا. وأعتقد أن القائمين على الدراسة يعلمون ذلك.
الدول التي تأخذ بمبدأ انتخاب الأعيان، هي في الغالب دول تسبقنا بأشواط في مضمار الديمقراطية، وتقيم حياة سياسية مستدامة ركنها الأساسي الأحزاب السياسية.
في الأردن، ما نزال نكافح لكي نبني أحزابا سياسية قادرة على المنافسة في انتخابات البرلمان، ولم نحقق بعد نجاحات تذكر على ما تدل التجربة الراهنة.
وباستثناء البلديات، لا توجد لدينا في المحافظات هيئات منتخبة معتبرة. وإلى حين نضوج تجربة مجالس المحافظات الموعودة، لا يمكن التعويل على الهيئات القائمة لتقديم ممثلين لمجلس الأعيان.
وإذا أردنا قول الحقيقة؛ فنحن في مرحلة ما نزال نحاول فيها ضمان أن يكون أعضاء مجلس النواب منتخبين بالفعل. وقبل أن ندرك هذه الغاية، لا نجرؤ على مشاطرة مركز القدس طموحاته بانتخاب الأعيان ورئيسهم.
أما التوصية بتخفيض سن أعضاء “الأعيان” إلى 25 سنة، فلن تجد لها مناصرين حتى في أوساط الشباب، بالنظر إلى ما استقر من فهم لدور الأعيان في التاريخ السياسي الأردني، بوصفهم أصحاب خبرة في العمل العام.
وفي التجارب العالمية القليلة التي تأخذ بهكذا مبدأ، يستند انتخاب الأعيان إلى قاعدة حزبية، تجعل من سن العين أمرا ثانويا في ظل وجود مرجعية حزبية تحكم عمل الأعضاء المنتخبين في المجلس.
بالنظر إلى مستوى الحياة الحزبية والسياسية في بلادنا، تطبيق هذه التوصية يعني تحويل مجلس الأعيان إلى اتحاد طلبة. عند مناقشة حزمة التعديلات الدستورية التي تبنتها لجنة ملكية قبل سنوات قليلة، كان هناك تيار مهم داخل الدولة يدعم فكرة انتخاب الأعيان، وكادت الحكومة تضيف هذه التوصية للتعديلات قبل عرضها على البرلمان، إلا أنها تراجعت في اللحظة الأخيرة.
لكن المسار الذي اتخذته موجة “الربيع العربي” لم يترك لأشد المتحمسين للفكرة مجالا للدفاع عن رأيهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock