أفكار ومواقف

انتخبوا “فوتوشوب”!

التقط لي المصوِّرُ الهاوي صورةً بائسةً برَزَ فيها أنفي كثيراً عن وجهي، وبدا ضخماً كأنوف الأشرارِ في مبالغات الرسوم الكاريكاتيرية، وأحيطت عينايَ بهالات شديدة السواد، كتلك التي تظهر لرجلٍ عريقٍ في شربِ الكحولِ الرخيصَةِ. لم ينجح المصوِّرُ الغشيمُ في التقاط معنى جديدٍ لملامحي؛ فبقيتُ في الصورَةِ مجرد رجلٍ عابسٍ يفتعلُ المهابة، ويوجه تحذيراً بعينيه الجاحظتين لكلِّ من سيشاهدهما في الأوراق الثبوتية!
كانت صورةً سيِّئةً لا تليقُ بالمكانَةِ السياسيَّةِ التي بلغتُها بعد التحوُّل الديمقراطيِّ المباغت، ولا تعبِّرُ بشكلٍ قريبٍ عن “الطفرة” الاجتماعيَّةِ التي حصلت بانتقالي السلس من عمَّان الشرقيَّةِ إلى عمَّان الغربيَّةِ، ولم تظهر على ملامحي علامة واحدة من علامات “النعمة المحدثة”؛ فلم تُخفِ الصورَةُ، على صغر مقاسها، خيوطاً متداخلةً أسفلَ ذقني نتيجة عمليتين لرتق شقاء الطفولة، ولا ضربةً قديمة بالموس أعلى خدي الأيمن من أيَّام الشغب المدرسيِّ. لم تخفِّف من كثافَةِ شَعْر الحاجِبَيْن، أو تلصق على شفاهي ابتسامَةً ماكرة، أو تعطي لعيني بريقاً..؛ كانت صورةً تشبهني حدَّ التطابق!
قد تصلحُ الصورةُ بملامحي الحقيقية لأنْ توضَعَ على بطاقَةِ الأحوالِ المدنيَّةِ، لتشيرَ بوضوحٍ صريحٍ إلى أحوالي الأصليَّةِ، طالما أنَّ الصدق “أساس المعاملة”، وتكونُ ملائمَةً تماماً لرخصة القيادة، ومعبِّرة عن هيئتي أثناء عبوري النزق لـ”شارع الأردن”..، هي صورة تصلحُ أكثر لبطاقة التأمين الصحيِّ الشامِلَةِ للأمراضِ النفسيَّةِ، أو لهويَّةٍ طارئةٍ لحدثٍ طارئٍ: مؤتمر لمكافحَةِ الأغذِيَةِ الفاسِدَةِ، وآخر للحدِّ من عمالَةِ الأطفالِ، أو لتصريحِ سفَرٍ بقصد تجديدِ الإيمان، لكنَّها بملامحي الحقيقية لا تصلحُ أبداً لاستدراج الناس، بشعار انتخابيٍّ لا يقبَلُ الاجتهادَ: “انتخبوا الجميلَ.. إنَّ الله يحبُّ الجمال”!
وكي أصيرَ أجمل المرشحين، أشار عليَّ ولدٌ نبيهٌ أنْ أضَعَ صورَتي الكئيبة في برنامج تقنيٍّ سحريٍّ اسمه “فوتوشوب”، أخبرني أن بإمكانه إجراء جراحَةٍ تجميليَّةٍ لصورتي في بضع دقائق، يغلقُ فيها مسامات الوجه الواسعة، ويزيلُ الشعرَ الزائدَ، ويستكمِلُ الشعرَ الناقصَ، ولديه قدرات خارقة أخرى، كأنْ يُصَغِّر أنْفي بما يكفي لدخول الكمية الضرورية من الهواء، ويوسِّعَ عيني على حالة تسبيل ورفقٍ، ليس هذا فحسب، فكل العلامات الفارقة التي اكتسبتها من ولادتي المتعثرة لن يكونَ لها أثر، فهذا البرنامجُ المكار بإمكانه أنْ يعيدَ تشكيلَ وجهي كما هو مفترضٌ قبلَ التحول الديمقراطيِّ المباغت، وقبلَ ذلك بكثير، منذُ حصولي على شهادة الثانوية العامة بنتيجَةِ راسبٍ، ومنذُ كانت لي عقدة رجالية عصية على الحل اسمها “حسين فهمي”!

وعرفتُ، من ولد نبيه آخر، أن الأمرَ لن يقتَصِرَ على تجميل ملامحي، بل يمكن إضافة شعاراتٍ ملوَّنَةٍ إلى الصورَة التي ستصبحُ “بوستراً”، في زاوية منه أكونُ حاملاً بندقيَّة صَيْد، وأقفُ وقفة “صدام حسين” المهيبَةِ التي يطلُّ فيها من شرفة متعاليَةٍ على جموعٍ غفيرَةٍ تهتفُ بما تبقَّى من حياته، ويتجه نظري الصقريِّ إلى عبارة لا تقبلُ القسمة :” فلسطين من البحر إلى النهر”، وفي زاوية أخرى أكونُ جالساً على رملٍ ناعم في “الموقَّر”، أداعبه بكفِّي التي خلصها “فوتوشوب” من النمش اللحوح، فيخرج الذهب سائلاً أسودَ. وثمة هوامش تبدو فارغة في الصورة، لا معنى محدداَ فيها، ورؤوس أقلام خالية من الرصاص، كتبَ فيها “البيان الانتخابي” قبل عملية الحفظ الأخيرة”.

[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. نحتاج في هذه المرحله الى كتابات اصلاحية ذات وقع مختلف
    قرأت عدة مقالات للكاتب المحترم واقترح عليه ان يعمل في مجال الكتابة في تخصص اخر مثل الروايات العاطفية او ما شابهها وليس في مجال الصحافة الاصلاحية الناقدة. وليس لي تعليق اخر على كتاباته.

  2. لن أنتخبك
    بما أني متابعة جيدة لك بدون تعليقات تذكر،،، قررت ألا أجتاز نصك دون أن أنتخبك،،، بدوت لي صريحاً فوق العادة،،، وثرثاراً أكثر من العادة،،، وقبيحاً وفق العادة،،، ولكن حروفك رسمت لك وجهاً آخر،،، وزينته بالحقيقة،،، وكملته بالوضوح،،، فنطق الجمال وأزاح غيره،،، لله درك من كاتب يتهكم فيرسم إبتسامة ساخرة من المجريات،،، هذا صوتي:
    أوافق أن أناخبك بكل عيوبك،،، ولكن بماذا أنتخبك؟!!!
    لن تصلح أن تكون رئيس دولة فتفسد،،، ولا رئيس بلدية فتبذر أموال الدولة،،، ولا حتى مختاراً للحارة فتتعلق بك قلوب النساء الأرامل،،، ولا مدير مدير مدرسةٍ لأيتامٍ لأنك ستغدو أباً بين ليلةٍ وضحاها،،، لذا،،،
    لن أنتخبك أيها الجميل المحيا الرقيق القلب فأنت في زمن الذئاب الآتية من المريخ،،،

  3. انتخبوا
    وقبل إلتقاط الصورة سيقف المرشحون الراشحون زيتاً طوابير في عيادات اطباء الاسنان ليحصلوا على البسمة الهوليودية البيضاء يقصفوننا ببياضها على التلفزيون ومنشتات الجرائد والصحف الصفراء.

  4. فوتوشوب معنوي
    جميل لكن نسي هذا الصديق أن يبلغك أنه لا يوجد فوتوشوب معنوي و لا روحي و لا ذاتي فقط تغيير بسيط كأن يلبسك الأسود حين يليق بك الأبيض هي لعبة نظر لا أكثر دمت متألقا

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock