اقتصادالسلايدر الرئيسيتحليل إقتصادي

اندثار الطبقة الوسطى عالميا

فواز يوسف غانم*

“الطبقة الوسطى” هي وصف يُعطى للأفراد والأسر الذين يقعون عادة بين ‘الطبقة العاملة’ و’الطبقة العليا’ ضمن التسلسل الهرمي الاجتماعي والاقتصادي. في الثقافات الغربية، يميل الأشخاص في الطبقة الوسطى إلى الحصول على نسبة أعلى من الشهادات الجامعية من تلك الموجودة في الطبقة العاملة، ولديهم دخل أكبر للاستهلاك، وغالبًا ما يتم توظيف أولئك الذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى كمحترفين ومديرين وموظفين مدنيين، وفي الغالب يملك المنتمون للطبقة الوسطى ما يكفي من الدخل المتاح لتحمل كماليات بسيطة مثل الإجازات أو المطاعم، لكنهم يعتمدون أيضًا على الاقتراض للحصول على سلع باهظة الثمن مثل المنازل والسيارات.
في الآونة الأخيرة وفي كل دول العالم، يوجد هناك حديث عن “اختفاء الطبقة الوسطى”، حيث تميل عدم المساواة في الدخل إلى “تفريغ الوسط” إلى حد كبير والذي يشكل العمود الفقري في المجتمعات، حيث تعاني هذه الطبقة حاليا الأمرين في ظل استمرار التداعيات الكارثية لفيروس كورونا، وحيث يتعين على أبناء تلك الطبقة إجراء المزيد من المراجعات الاقتصادية بشأن تقليص الإنفاق، وترشيد الاستهلاك، ومواجهة أوجاع التقشف، والتغلب على الأزمة المالية الصادمة. ولهذا فإن السؤال المنطقي هنا يدور حول مدى قدرة هذه الطبقة التي تآكلت مدخراتها خلال السنوات الماضية، على التكيف مع الأوضاع الجديدة، حتى لا تضطر إجباريا، ودون سابق إنذار، للوقوع في براثن الفقر.
خياران لا ثالث لهما وضعتهما الأزمة الراهنة أمام طبقة تشكل أكثر من نصف سكان العالم، فإما أن تنزلق إلى الطبقة الأدنى، وهو أمر من الصعب عليها القيام به، وإما أن تأخذ بزمام المبادرة وتقر بالأمر الواقع، لأن الحفاظ على نمط حياة الطبقة الوسطى يعني تضاؤل المدخرات والتخلي عن ارتياد المطاعم، وطلب المساعدات المالية من الأقارب للسفر وقضاء العطلات العائلية، والاستمرار في إرسال أطفالها إلى مدارس لائقة، ومن المناسب أن تدرك تلك الطبقة أن الدخل المالي قد تراجع لدى جميع الطبقات، ولهذا فإنه من المرجح الآن أن يبقى الأغنياء أغنياء حتى مع تراجع ثرواتهم، وأن يزداد الفقراء فقرا، أما الطبقة المتوسطة، فتواجه خطر الانقراض والانزلاق نحو الفقر.
لم تكن السنوات الأخيرة عصرا زاهيا للطبقات المتوسطة، فقد أرهقتها السياسات التقشفية في كثير من الدول، والارتفاعات الفلكية في أسعار السلع والخدمات، وزيادة الضرائب، وتفشي البطالة، وتراجع الدخل، بالإضافة إلى الحروب التي اندلعت في بعض البلاد، والتي سحقت الطبقة المتوسطة تماما وتركتها في العراء. ولهذا فإنه من الضروري الآن الحفاظ بصفة خاصة على تماسك أرباب الصناعات الصغيرة والمتوسطة، لأن خروجهم من السوق سيؤدي إلى انتقال الطبقة المتوسطة إلى حيز الفقر على المدى المتوسط.
ورغم الإسهامات المهمة للطبقة المتوسطة في الإيرادات الضريبية التي تمول الإنفاق الحكومي، فإنها لا تلجأ عادة إلى الخدمات الحكومية في مجالات نوعية كالصحة والتعليم، إذ تتحمل عبء الحصول عليها من القطاع الخاص مقابل تحصيل جودة أفضل في الخدمات، إلا أن الأوضاع الراهنة قد تضطرها بقوة إلى خفض إنفاقها في ضوء تدهور الأجور، وارتفاع معدلات التضخم، مما سيلقي بآثار شديدة الخطورة على عملية التنمية المستدامة، وتراكم رأس المال، وسيضعف الإنتاجية ومعدلات النمو الاقتصادي.
خلال الأزمة الراهنة، عجزت الطبقات المتوسطة عن مواجهة التداعيات الرهيبة للجائحة، فانهارت بشكل دراماتيكي، ومع فقدان قوتها الشرائية إنتقلت إلى الطرف الأضعف من الطيف، ولا شك أنه عندما تختفي الطبقة الوسطى، المحرك الاقتصادي في أي بلد، فإن الأمر يؤذن بخلل في التوازن الاقتصادي، واندلاع اضطرابات اجتماعية تقود إلى المجهول، إذ لا يقتصر دور الطبقة المتوسطة على تعزيز الطلب الاستهلاكي، بل يتخطى ذلك إلى الإصرار أيضا على تحقيق جودة الإدارة والخدمات العامة، كالتعليم والصحة والبنية الأساسية، وقد تؤدي بها الأوضاع القاتمة إلى التخلي عن بعض معايير الجودة لضيق ذات اليد.
لكن، المعضلة الآن هي أن الفرص الاقتصادية للطبقة الوسطى تتقلص وتنحسر، وقد تعززت هذه المشكلة في زمن كورونا، ما يعني أننا بصدد “مذبحة” غير مسبوقة للطبقات الوسطى حول العالم، والتي يعد إنهيارها إنهياراً للمجتمع ذاته، وعلى ما يبدو، فإن قدر الطبقة الوسطى هو أن تكون دوما مرنة وقادرة على التكيف مع تغير المعايير الاقتصادية في مجتمعات تغزوها العولمة، ولهذا فليس أمامها الآن سوى المقاومة من أجل الحفاظ على وجودها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. في كل الأحوال، تبدو الحاجة الملحة إلى ضرورة الحوار المجتمعي، وعدالة توزيع الثروات، وشفافية القرارات الاقتصادية، بما يجعل المواطنين يشعرون بالثقة والتوحد مع باقي شركاء الوطن في مركب واحد، وإعطاؤهم جرعة أمل صادقة في إمكانية تحسن الأمور حتى لو اضطروا إلى تحمل بعض الصعوبات المعقولة.
*الرئيس التنفيذي – إثمار انفست

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock