أفكار ومواقف

“انضباط” الصحافة!

مبروك للزملاء الصحافيين الذين كسبوا انتخابات النقابة، وحظاً أوفر للذين جانبهم الحظ. وفي واقع الأمر، لا يعدو “الفوز” بالمسؤولية كونه عبئاً من حيث المبدأ، وأصله أن يحقق شيئاً من الذات بالتجويد في الأداء حدّ استدعاء انتباه الآخرين وامتنانهم، والاجتهاد في قراءة وتحقيق رغبات من يحوز “الفائز” أمانة تمثيلهم. أما في الوضع الملتوي الغالب، فإن السلطة تغري، ويصبح تحقيق الذات مختزلاً في خدمة الذات وتحقيق أكبر قدر من المكاسب الشخصية، وأقل ما يمكن من المجالدة ووجع الرأس. وأملنا أن يكون زملاؤنا الكاسبون من النوع الأول، حتى نكون من ورائهم وإلى جانبهم ونقول لهم: شكراً على الخدمة.
تستدعي المناسبة أفكاراً لا تنتهي في شأن الصحافة. ومنها إحساس -ربما شخصي- بشيء من الارتباك والضياع في داخل البيت الصحافي، وكأنه قلعة قديمة كبيرة، دهاليزها كثيرة ومتداخلة كالمتاهة. ولذلك، تتحرك فيها بلا يقين، ولا تعرف أين يقودك هذا الرواق، وكيف تعود إلى المكان الذي بدأت منه، أو ربما تجد أحد الدروب وقد أفضى بك إلى العراء، وبلا سبيل للعودة. ومهما كان مكانك من المراتب الصحافية، فإنك تجد نفسك دائماً تحت ضغط طبقات السلطات المتراكبة التي تتجاذبك وتخضك. وإلى جانب ذلك كله، ثمة ضميرك الشخصي والمهني الذي تحاول أن لا يوجعك؛ وحاجتك إلى العمل؛ واختبار كرامتك نفسها واحترامك لذاتك.
في العمل الصحافي، يسمع المرء توجيهات بتنويعات من نوع: “أرجوك، لا تخرب علاقتنا بالدولة الفلانية”، “لا تتسبب لنا بالذهاب إلى المحكمة”، “هذا الموضوع يمس رؤوساً كبيرة، فاتركنا منه”، “لا تدخلنا في الحائط”، “معلوماتك أكيدة وموثقة، لكننا لن ننشر، نقطة”. وفي كل ذلك، يقنع صاحب هذه القرارات نفسه حدّ الدوغماطية (على طريقة الدكتاتوريين العرب) بأنه الأكثر ديمقراطية، والأعلى سقفاً، والأوضح رؤية لمصلحة الوطن، والمتحمس الأكبر لحرية الصحافة والبشر أجمعين. وأمامه، يفكر الصحافي المرؤوس بكيف يطرق موضوعاً بلا مشاكل، وقد يبتعد عن موضوعات مهمة “خبطات صحافية”، ليتجنب التسبب بأزمة، ويحافظ على “الانضباط” الصحافي.
الصحافة المنضبطة بهذا المعنى، ليست هي المعنية بالمصلحة العامة، وإنما هي الصحافة الداجنة التي تسير بجنب الحائط. والأصل في الصحافة أن تكون مشاكسة، وجسورة، و”تخرمش”، لكنّها لدينا تلوذ بهدوء مسكين مستكين جراء عمل منهجي من تقليم أظافرها ونزع أسنانها. ومع أنها تعد بين السلطات، إلا أنها تبدو الأخفض حائطاً بينها جميعاً. وبدل أن تكون الرقيب مرهوب الجانب عليها جميعاً بوصفها الأكثر وصولاً والأعلى صوتاً، فإن الوزير، ومسؤول الأمن، والقاضي والنائب، يخاطبونها بلغة الأمر والتقريع.
من البدهي أن أحداً لا يعطيك شيئاً من دون أن تجتهد في طلبه وتلح عليه. ويبدأ تعافي الصحافة وقدرتها على المناجزة أولاً بترتيب بيتها الداخلي، بخلق ما يُسعد الصحافي العادي والمسؤول بالانتماء إلى مجموع حميم يحمي ظهره ولا يُسلمه ولا يخذله. والصحافة في التحصيل الأخير ليست مفهوماً سابحاً في الفضاء، وإنما هي ببساطة أشخاص، يتخذون قرارات ويتبنون توجهات. وبهذا، تعني حريّة الصحافة أن يكون العاملون فيها أحراراً من الداخل، وعنيدين أمام محاولة مصادرتهم لحساب أي طرف من خارج البيت. ولا ينبغي أن تنشغل الصحافة بالرقابة على ذاتها عن الرقابة على خارجها كما ينبغي، خشية الوقوع في الشبهات، أو اتهامها بالتبعية “للخارج”!
إذا كانت الصحافة تغطي أخبار التطورات العربية، ولا تصاب بالغيرة فتدفع باتجاه توسيع مساحتها ومنطقة حركتها، فإنها لا تستحق أن تزعم تمثيل الناس الذين يستضيفونها يومياً في بيوتهم. وحتى تعلّم الناس الديمقراطية، ينبغي أن تكون المؤسسة الصحافية نموذجاً للديمقراطية، حيث لا أحد يهبط بالمظلة، ولا بشيء غير الكفاءة المهنية والفكر المستنير وحجم العطاء. وبغير ذلك فإنها لن تقنع ذاتها، وتعمق الانصراف عنها إلى “صحافة المواطن” و”الإعلام البديل”، وهما مصطلحان يلمحان إلى أن الصحافة السائدة ليست للمواطن، ومهترئة بحيث احتاجت إلى بديل.
ينبغي أن يعني انضباط الصحافة التزامها بأخلاقياتها وغاياتها العليا كما تراها، وليس أن تقول بمسكنة لكل طارقٍ صباح مساء: حاضر يا سيدي!

[email protected]

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock