أفكار ومواقف

انطباعات واقعية.. وفي “جدار الصد”

صنّفت إسرائيل هجمات الكومبيوتر التي قامت بها جماعة “أنونيموس” على مواقع وخوادم كومبيوتر رئيسة لمرافق حيوية لديها، بأنها اختراق جدي. وهو ثاني ولوج مُقرصن واختراق لأجهزة ونُظم ومرافق معلوماتية مهمة.
وأتى الهجوم الأخير في الوقت الذي تجلس فيه إسرائيل على مقعد مريح من الإنجازات العلمية والتقنية التي حققتها في العقد الماضي، ولكن بمفارقة طريفة؛ لأنها هي صاحبة الاكتشاف المعلوماتي الأكثر أهمية في عالم التكنولوجيا، وهو “حائط الصد المعلوماتي” (أو ما يعرف بالإنجليزية بـ”فايروول”) الذي يُستخدم لصدّ مثل هذه الهجمات.
و”جدارالصد” هو واحد من الحلول البرمجية التي تسجّلت لإسرائيل، مع اختراعات أخرى -منها خدمة الرسائل، وتقنيّة اللاسلكي “واي فاي”- ببراءات اختراع دولية، حيث يتم تطبيقها في العالم العربي أيضا.
وتحكم التعتيم الإعلامي الإسرائيلي غير المسبوق لحادثة القرصنة رؤيتان: الأولى، أمنيّة؛ تعاملت مع الهجوم كحالة طوارئ قصوى، لتُعالجها فرق متخصّصة، ملحقة مباشرة بمكتب رئيس الوزراء، ضمن إدارة عامة اعتبرت المعلوماتية عنصر تفوّق. وهو ما يفسر الإنفاق المركز على البحث والتطوير وعلى النشاط العلمي، مع وجود النسبة الأعلى للعدد الأكبر من العلماء والفنييّن المهندسين للفرد الواحد في إسرائيل: 140 /10000 مقارنة بـ85 /10000 في الولايات المتحدة.
أمّا الرؤية الثانية، فتأتي من بدايات نشوء البحوث الصناعية والتكنولوجية، كما أسسها المعهد الإسرائيلي للتكنولوجيا “التخنيون”، عندما نشر رسالته تحت شعار “المعهدُ لم يُخلق كجامعة بل خُلق لكي ينتج أمة”. بعدها، سعت إدارة متكاملة إلى تطوير التكنولوجيا بهدف إعمار الداخل، ومن مساهمات الأوائل، مثل “روتشيلد” و”وايزمان”؛ ومن البنوك؛ ومن رؤوس الأموال وصناديق الاستثمار.
وباختصار، تُقدم “أيديولوجيا” التفوّق التكنولوجي لإسرائيل اليوم الدافع ذاته في فلسطين الانتداب. إذ إن العودة إلى “وطن”، اعتمدت على تأسيس العودة إلى “أرض”، وهو ما شكل جوهر الفكر الصهيوني في بداياته نحو الإنتاج على أسس “زراعيّة” مثاليّة، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي. وفي فصل تاريخي آخر، اقتضى تأسيس الدولة الحديثة الانتقال إلى حالة من التفوّق العلمي والصناعي؛ فأنشأت إسرائيل حدائق التكنولوجيا على أسس “صناعية” مثاليّة، بهدف تحقيق الاكتفاء المعرفي، كما تحقيق الثراء. وتلك حالة يقودها اليوم مُجتمع الـ”هاي تيك”؛ وهو القطاع الذي تُعوّل عليه إسرائيل لتعظيم مكتسباتها من التنمية السابقة.
ولقد كان من المذهل أخيرا قراءة إشارة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن إسرائيل صاحبة معدل مرتفع في مؤشّر السعادة العالمي! وقد يوجد لذلك أكثر من تفسير. فهي في المواقف غيرالسعيدة تختارُ بكبرياء تجاهل هزائمها، فتقوم سريعا باستحضار رؤية وإجراءات جماعية أكثر عنفا وأكثر تشددا، إذ يدور الحديث عن “جدار صدّ معلوماتي” على مستوى “باتريوت” لهجمات مُحتملة. وبهذا، ترفع إسرائيل جدارا آخر في عالم لم يعد افتراضيا، وعلى أكثر من جبهة!

*خبيرة في قطاع التكنولوجيا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock