اقتصادالسلايدر الرئيسيتحليل إقتصادي

انفصال سوق الأسهم الأمريكي عن واقع الاقتصاد

فواز يوسف غانم

بلغت إصابات فيروس كورونا في الولايات المتحدة الأمريكية حتى مساء 17 مايو 2020، أكثر من مليون و520 ألف شخص، توفي منهم ما يزيد عن 90 ألفا حسب آخر الإحصائيات، حيث تصدرت فيه الولايات المتحدة العالم بأسره من حيث عدد الإصابات والوفيات.

ومن هنا، تطفو تساؤلات بشأن حجم التداعيات الاقتصادية للفيروس على أقوى وأكبر اقتصاد في العالم، خاصة أن تلك الجائحة شلت العديد من مؤسساتها وشركاتها، وتسببت بتسريح ملايين الأمريكيين من عملهم، حيث بلغ عدد المواطنين الذين فقدوا عملهم وطلبوا “إعانات بطالة”(Unemployment Benefits) من الحكومة في آخر ثمانية أسابيع حوالي 36 مليون شخصاً وِفقاً لإحصاءات وزارة العمل الأمريكية. ووفقاً لأحدث بيانات الحكومة الفيدرالية، بلغت نسبة البطالة في الولايات المتحدة حوالي 14.7%، مسجلة بذلك أعلى مستوى لها منذ ما يقارب 90 عاماً وحيث حذر اقتصاديون من أن نسبة البطالة
(Unemployment Rate)  في البلاد قد تصل إلى 20 بالمئة في الاشهر القادمة، وهي أعلى نسبة منذ الكساد الكبيرDepression) (Great  في ثلاثينيات القرن الماضي (ويقول بعض الاقتصاديون أن الرقم قد يصل الى 50 مليون وظيفة معرضة لعمليات تسريح بسبب الفيروس أي حوالي ثلث جميع الوظائف في الولايات المتحدة( .

كل ما ذُكر أعلاه جعل اقتصاد الولايات المتحدة يعانى من أسوأ انكماش له منذ أزمة عام 2008، حتى ان رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي “جيروم باول” ليس لديه فكرة حول سوء الوضع العام وإلى متى سيستمر في الوقت الذي انكمش الناتج المحلي الإجمالي (GDP) الامريكي خلال الربع الأول من هذا العام بنحو 4.8% مما يعتبر ‘انكماش حاد’.

وتدل كل المؤشرات الحالية على حالة تدهور كبير في عدة قطاعات في الاقتصاد الأمريكي بعد أن أجبرت المصانع والمتاجر والفنادق والمطاعم في جميع أنحاء البلاد على إغلاق أبوابها وحيث كانت قطاعات الترفيه والضيافة والطيران وتجارة التجزئة (بإستثناء السلع الاساسية) هي القطاعات الاكثر تضرراً بسبب إجراءات التباعد الاجتماعي والاغلاق الاجباري. كما سجلت كذلك انخفاضات في قطاع التصنيع (رغم أن منتجات الأغذية والأدوية تشهد طلباً قوياً) إلا أن معظم الصناعات عانت من تأخيرات في الانتاج بسبب إجراءات منع إنتشار الوباء وعرقلة سلاسل الامدادSupply Chain Disruption) ) .

ولكن في عالم مواز، بعيداً عن الواقع الصعب وتراكم المؤشرات الاقتصادية السلبية، إرتفع مؤشر “إس آند بي 500” في الفترة ما بين 23 مارس الماضي و15 مايو الجاري من 2237 الى 2864 )بنسبة تزيد على 28%(، فيما إرتفع مؤشر “داو جونز” من 18592 الى 23685  في نفس الفترة، مسجلاً إرتفاع بنسبة 27.4%. وهذا الانتعاش غير المتوقع في اسواق الاسهم زادت من قيمتها السوقية بنحو 5 تريليونات دولار مما سمح للمستثمرين بإسترداد أكثر من نصف الخسائر التي تكبدوها منذ بداية أزمة الكورونا. هذا الوضع يثير سؤال منطقي في هذا الوقت وهو ما السر في هذا “التناقض العجيب” بين إنتعاش سوق الأسهم وحقيقة الاوضاع الاقتصادية الرديئة في الولايات المتحدة وما هي المسببات الرئيسية التي تدفع سوق الأسهم نحو الأعلى في ذات الوقت الذي يجثو فيه الاقتصاد على ركبتيه؟ أليس سوق الأسهم ما هو إلا ‘مرآة للاقتصاد’ كما يقول الخبراء؟ هذه الأسئلة سيحاول هذا المقال الإجابة عنها والتي من وجهة نظر مالية أسبابها الرئيسية تكمن في الآتي:

شراء كميات هائلة من سندات الشركات من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي

أولاً: من المرجح ان الإجراء الذي اتخذه مجلس الاحتياطي الفيدرالي (Federal Reserve) في أوآخر مارس 2020 حين أعلن عن خططه لشراء كميات ضخمة من سندات الشركات ذات الدرجة الاستثمارية(Investment Grade)  بالاضافة الى السندات “الخطرة” ذات العوائد العالية
(Non-Investment Grade)  كان هو محرك رئيسي وأولي وراء انتعاش مؤشرات سوق الأسهم في الأسابيع الأخيرة. والاغلب أن هذا القرار أنتج درجة عالية من التفاؤل عند المسثمرين الذين اطمئنوا الى ان هناك قرار سياسي من قبل الطبقة الحاكمة على ضخ سيولة كبيرة في السوق لمساعدة الاقتصاد الأمريكي على الاستقرار والصمود في وجه تداعيات انتشار فيروس كورونا. وكان هذا الاعلان كفيلًا بأن يعطي المستثمرين إحساساً بالثقة في أن الفيدرالي لن يتخلى عن الشركات ولديه استعداد لضخ كميات ضخمة من السيولة لإنقاذ السوق. وعليه يمكن اعتبار إن الانتعاش الحالي لسوق الأسهم الأمريكي ليس مدفوعاً
بـ “أساسيات السوق” (Market Fundamentals) بأي شكل من الاشكال، وإنما هو مدفوع بالواقع “بالسيولة والأموال الرخيصة” التي يوفرها الفيدرالي للشركات كي تستطيع الاستمرار في الوقوف على قدميها.

تخفيض أسعار الفائدة وحجم “الاحتياطي” لدى البنوك وشراء الديون الحكومية

ثانياً: إتخذ مجلس الاحتياطي الفيدرالي عدة قرارات لطمأنة السوق والشركات من خلال الاتي:

(أ)  خفض الفيدرالي أسعار الفائدة مرتين خلال الأشهر الثلاثة الماضية لتصل إلى مستوى قريب من الصفر (ب) كما خفض الفيدرالي متطلبات حجم “الاحتياطي” لدى البنوك وبدأ فعلياً في شراء الأوراق التجارية ; (Commercial Paper) و(ج) وعد الفيدرالي بشراء كمية ‘غير محدودة’ من الديون الحكومية الامريكية طوال فترة الأزمة.

برنامج إقراض ضخم للشركات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة

ثالثاً: أطلق مجلس الاحتياطي الفيدرالي تسهيلات ائتمانية للشركات الكبيرة بالاضافة لبرنامج إقراض ضخم للشركات الصغيرة والمتوسطة.(SME’s) وفقاً لعدة تقديرات، فإن المبادرات والخطط التي أعلنها الفيدرالي منذ بداية الأزمة وحتى الآن، لديها القدرة على ضخ نحو 6 تريليونات دولار من السيولة في النظام المالي والتي منحت المستثمرين الثقة في النظام المالي بشكل عام. وأمام هذا الكم الهائل من الأموال، تفقد أساسيات السوق أهميتها عند المستثمر وتصبح فاقدة التاثير في تحريك أسعار الأسهم.

احجام شركات التكنولوجيا العملاقة في أسواق الاسهم المالية

رابعاً، عند التدقيق في التحركات الأخيرة لمؤشر “إس آند بي 500″، نجد أن أسهم خمس شركات كبرى في ‘قطاع التكنولوجيا’  كانت هي المسؤولة بشكل رئيسي عن دفع المؤشر نحو الأعلى في الاسابيع الماضية. فشركات “مايكروسوفت” و”آبل” و”أمازون” و”ألفابت” و”فيسبوك” تشكل معاً نحو 20% من مؤشر “إس آند بي 500” وهي كلها تمثل شركات استفادت بشكل كبير من إجراءات حجر الأمريكيين في منازلهم واعتمادهم بشكل أكبر على التقنيات المختلفة التي توفرها هذه الشركات. وفي النقيض لشركات التكنولوجيا العملاقة، نجد شركات الطاقة الأمريكية المدرجة تفقد حوالي 35% من قيمتها السوقية منذ بداية العام بعد إنهيار أسعار النفط والغاز، والذي جعل قطاع الطاقة أحد أكثر القطاعات تضرراً من الأزمة. ولكن يجدر الذكر ان قطاع النفط والغاز الأمريكي بأكمله لا يشكل أكثر من 3% من حجم “إس آند بي 500″، مما يدل أن هذا القطاع الأكثر تضرراً ليس له تأثير كبير على إتجاه سوق الاسهم.

عدم وجود بدائل إستثمار مجدية للأسهم

وأخيراً وليس آخراً، اعتقد ان محرك كبير لتحركات سوق الأسهم الأمريكي الايجابية خلال الفترة الأخيرة هو أن المستثمرين لا يجدون حالياً بدائل مجدية يوجهون إليها أموالهم لو قرروا سحبها من اسواق الأسهم، مما جعلهم يرفضون الخروج من السوق لأنهم لا يرون بدائل أفضل من اسواق الأسهم، وخاصة  بعد أن خفض الفيدرالي أسعار الفائدة لتقترب من الصفر. ويبلغ حالياً معدل الفائدة على سندات الخزانة الأمريكية ذات أجل الاستحقاق البالغ 10 سنوات حوالي 0.7% فقط، وهو ما يقل بأكثر من 3% مقارنة مع مستواها في أواخر 2018. وإذا كان المستثمر يرغب في شراء سندات مؤمنة ضد التضخم، فسوف يضطر هو لدفع فائدة قدرها 0.5%.  لذلك نجد أن المستثمرين وبالرغم من كل الصعوبات ما زالوا يفضلون الاسهم كخيار استثماري أفضل من سوق السندات. هذا طبعاً بالاضافة الى الطبيعة البشرية التي تجعلهم يترقبون نتعاش قريب عندما تعود الامور كما كانت في السابق و تخف اجراءات العزل المنزلي (في ظل إتجاه عدد من الولايات إلى إعادة فتح اقتصادها مؤخراً ولو بشكل جزئي مع الحفاظ على تدابير التباعد الاجتماعي) مما خلق حالة من التفاؤل تسيطر على كثير من المستثمرين في أن يتمكن الاقتصاد الأمريكي بشكل عام من الانتعاش بحلول أوائل عام 2021.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock