أفكار ومواقف

انفصام

الفصام أو انفصام الشخصية، هو اضطراب عقلي شديد، يعيش «المفصوم» فيه الواقع بشكل غير حقيقي «غير واقعي»، ونتيجة لذلك يتقمص المفصوم معتقدات وهمية، كأن يعتقد أنه مستهدف بهجوم من جهة أو شخص ما أو أنه عرضة للأذى أو الاعتداء، وقد تصل به الحال إلى أنه يسمع أصواتا غير موجودة، ويرى أشياء ليست حقيقية، والفصام كمرض يصيب الأفراد.
ولكن السؤال الذي ملك عليّ أمري موخرا هو: هل يصيب الفصام المجتمع بكليته؟ هل يمكن لهذا الاضطراب العقلي أن يكون جماعيا، فيصبح السمة العامة للمجتمع، هل يمكن للمجتمع أن يصل لمرحلة من الانعزال عن نفسه حتى يرى فيها الواقع خلافا لما هو عليه؟. أسأل هذا السؤال -وأعتذر سلفا عن أي إساءة غير مقصودة- وأنا غير مختص بعلم النفس، أسأل هذا السؤال، وأنا أرانا نختلف على ادانة القتل في «جرائم القرف»، حيث يتصور بعضنا أن من يحمل على هذا النوع من القتل، إنما يهدف لنشر الرذيلة والفحشاء، وأن إدانة القاتل هي ترويج للانحلال، أو نجد من يعتقد أن من ينكر أي فعل «غير أخلاقي»، هو مؤيد للقتل أو مستمرئ له، حتى يضحي فعل القتل نفسه ثانويا أمام حالة الاستقطاب في فهم هذا الواقع، فنمسي فرقا حول حلبة، ننتظر ان تُرمى لنا ضحية جديدة، فتجدد حالة الاستقطاب.
أسأل هذا السؤال، وأنا أرى حربا ضروسا في مجتمعنا حول كل فكرة، وكل عمل، وكل اجتهاد أو سلوك، أسأله وأنا أرى وهما جماعيا في رؤيتنا للمجتمع باعتباره يتكون ممن يشبهنا فقط، وأن أي اختلاف أو أي مختلف عنا هو عدو خصم لنا مهمتنا في الحياة استئصاله ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
أسأله وأنا أرى أن أغلب المتدينين -من أتباع ذات الدين- منهمكون في حرب بعضهم بعضا، أو أنهم معسكرون في جبهات «حرب الأديان»، منغمسون في اثبات أن الآخر على باطل أكثر من اهتمامهم بأنهم على حق.
أسأله وأنا أرى أن أغلب دعاة الحرية والانفتاح وحقوق الإنسان ودعاة الديمقراطية يتحولون إلى سلطات قمعية في الحكم على أي متشبث بدينه أو عقيدته، ولا يتوانون عن وصمه بأنه متخلف ليس حداثيا ولا تقدميا، أسأله وأنا أرى كيف يسمع المتحاورون كلاما غير ما يتبادلونه في الحوار، حتى يخال لهم أن من يحاورهم إنما يحاكمهم، فينهالون على كل شيء سوى فكرة الحوار، ينهشون شخص المحاور أو عِرضه أو دينه او معتقداته او هويته الجنسية، فيذوي الحوار وتموت الأفكار.
أسأله وأنا أرى من يؤيد الديكتاتوريات في العالم أجمع، وهو يستميت في المطالبة بالديمقراطية في الأردن، وفي انتقاد الدولة ومؤسساتها لتأخرها عن الفعل الديمقراطي، أسأله وأنا أرى من لا يؤمن بالدولة نفسها، وينحو ويرنو في أحلامه للانقلاب عليها وعلى دستورها، وبذات الوقت يتباكى على الديمقراطية وحقوق الإنسان، أسأله وأنا أرى من يتمسك بحرية الرأي والتعبير، ولا ينشر إلا الشتائم والمذمات.
وبما أنها «سيرة وانفتحت» أسأل أيضا هل يصيب الفصام الدولة والحكومة نفسها، أسأل هذا السؤال وأنا أرى الدولة تصدر قانون أحزاب، وتعتقد ان الأحزاب نبت بري ينمو دون عون، ودون بيئة حرة، أسأله وأنا أرى الدولة تصدر قوانين لمنظمات المجتمع المدني وتحاصر نشاطها، أسأله وأنا أرى منها خطابا ورديا عن سعة الصدر، ويضيق ذرعها بمقال او «بوست»، أسأله وأنا أسمع منذ ربع قرن عن إصلاح التعليم وما أزال أسمع، أسئلة كثيرة متشعبة ليس لها منتهى وقد هجرتها حاجتها للإجابة.
تنويه : إن تشابهت كلمات هذا المقال، مع أفعال وأعمال أي شخص أو مؤسسة، فإن ذلك يكون من قبيل الصدفة البحتة، ونعتذر عنه سلفا، فإن ألحّ هذا التشابه، يرجى اعتباره من هلوسات انفصام صاحب المقال نفسه، نعتذر جنابك؟!

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
43 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock