ترجمات

انقسام المحافظين الأميركيين حول الشرق الأوسط

فريد زكريا
(الواشنطن بوست) 11/10/2012
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
كان خطاب ميت رومني حول الشؤون الخارجية في الأسبوع الماضي معتدلاً على نحو يثير الدهشة. فعلى المستوى الخطابي، كان مليئاً بالحصافة والغضب. لكننا سنرى، عند التمعن فيه عن كثب، أنه لم يتضمن أي تغير رئيسي في السياسة الخارجية الأميركية. فقد أكد رومني على الجدول الزمني للانسحاب من أفغانستان، ولم يقترح إرسال قوات إلى العراق مرة أخرى، كما لم يدافع عن توجيه ضربات عسكرية لإيران، وتعهد بالعمل باتجاه إنجاز حل الدولتين في الشرق الأوسط، حتى أنه تخلى عن التوجه الحربي تجاه الصين، والذي كان مادة أساسية في خطاباته خلال الشهور الأخيرة.
وقد اقترح رومني تحولاً واحداً في السياسة الأميركية الخارجية، وباتجاه سورية. ولكن، وحتى هناك -وفي خطاب سلبي أعدت كلماته بعناية- لم يعلن أنه سيقوم، كرئيس، بتسليح المعارضة السورية، وإنما قال فقط إنه “سيضمن حصولهم على الأسلحة التي يحتاجونها”. ويعود الضمير “هم” إلى أولئك الأعضاء في المعارضة “الذين يشاركوننا قيمنا”. وهكذا، يكون التحول الوحيد لرومني عن السياسة الخارجية الراهنة هو أننا يجب أن نحاول العثور بجد أكثر على أطراف غير الإسلاميين بين الثوار السوريين، وأن نقوم بتشجيع تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر على إعطائهم المزيد من الأسلحة.
 ويجيء اعتدال رومني في جزء منه استمراراً لتمحوره في منطقة الوسط. لكنه يعكس أيضاً الافتقار إلى الإجماع بين المحافظين حيال ما يجب عمله بالنسبة لحالة الهيجان السائدة في الشرق الأوسط. وكان أقسى هجوم خطابي محتشد بالحدة قد توجه ضد سياسات الرئيس أوباما في أعقاب الربيع العربي. ومشيراً إلى مقتل السفير الأميركي كريس ستيفنز في بنغازي، أكد رومني أنه “يجب عدم النظر إلى الهجمات على أميركا في الشهر الماضي باعتبارها أعمالاً عشوائية. إنها تعبيرات عن كفاح أضخم يتكشف في عموم الشرق الأوسط”. والمشكلة هي أن المحافظين يظلون منقسمين على نحو معمق حول طبيعة هذا الكفاح.
في الفترة الأخيرة، عقد المنتدى المصغر “إنتيلجنس سكويرد” في نيويورك حلقة نقاش حول الاقتراح “إسلاميون منتخبون أفضل من الدكتاتوريين” في إشارة إلى الخيارات التي تواجهها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وكان المتحدث الرئيسي عن الاقتراح مفكراً محافظاً مرموقاً، ريئول مارك غيريخت. فيما كان المتحدث الرئيسي ضد الاقتراح مفكراً محافظاً مرموقاً أيضاً، دانيال بايبس. ويمثل ذلك انعكاساً لحالة الفكر المحافظ حول الموضوع.
فمن جهة، نرى معلقين مثل مستشار رومني جون بولتون، ومقدم البرامج التلفزيونية شين هانيتي، اللذين يعتقدان بأنه كان على إدارة أوباما محاولة الإبقاء على حسني مبارك في السلطة في مصر. وفي الشهر الماضي، وصف هانيتي النظام الديمقراطي الناجم في مصر بأنه “صعود العنف والكراهية والتطرف الإسلامي والجنون والموت”. ومن جهة أخرى، نرى بول وولفويتس وآخرين يحتفون بسقوط المستبدين العرب، معربين فقط عن أمنياتهم لو أن أوباما كان أسرع في خطاه إلى دعم الانتقال إلى الانتخابات. وهذا النقاش مهم جداً. فعلى مدار العقود القليلة المقبلة، من الممكن أن يصبح الشرق الأوسط موطناً لصعود “الديمقراطية غير الليبرالية” —حيث البلدان تشهد العديد من الانتخابات من دون أن ترسخ سوى القليل من الحقوق الفردية— أو إلى التطور التدريجي نحو التعددية وحكم القانون. لكن، وكما تشير تعليقات هانيتي، فإن هذه النقاشات أصبحت تأخذ الأولوية على حق رد الفعل الغرائزي حيال الإسلام والنزعة الإسلامية، وهو الأمر الذي لا يعد دقيقاً ولا مساعداً في فهم طبيعة ما يحدث في المنطقة.
لعل لب المشكلة في العالم العربي هو أن النظام القديم كان غير مستقر إلى حد كبير. وقد أنتجت الأنظمة القمعية، مثل ذلك الذي كان في مصر، على مدار العقود حركات معارضة متطرفة. وغالباً ما أصبحت تلك المعارضة عنيفة، وهاجمت الولايات المتحدة بسبب دعمها أولئك الدكتاتوريين. وبعبارات أخرى، فقد غذّى دعم الولايات المتحدة لنظام مبارك والأنظمة المماثلة، نيران المجموعات الإرهابية التي هاجمتنا في 11 أيلول ( سبتمبر) من العام 2001.
 وتدرك “القاعدة” ” أنه إذا تحول العالم العربي إلى الديمقراطية، فإنها ستخسر محور قبولها الأيديولوجي -وهو السبب الذي حدا بقائد “القاعدة” أيمن الظواهري إلى وضع كتاب يدين فيه قرار جماعة الإخوان المسلمين دعم عملية الديمقراطية في مصر والمشاركة فيها.
ربما يخالطنا اليأس بسبب تصريح معين أو سياسة معينة ينتهجها الرئيس المصري الجديد. لكن الحقيقة الأكبر هي أن العالم العربي قد اختار الآن قادة ينطوون على الشرعية الحقيقية -كما أن العديدين منهم دانوا “القاعدة” وغيرها من المجموعات الجهادية، وهم يحاولون التوفيق بين الإسلام والديمقراطية. فهل يتوجب علينا معارضتهم؟ ذلك هو السبب في أن رومني يقترح، في نهاية المطاف، أن نعمل مع الحكومتين المنتخبتين في ليبيا ومصر، ونحاول دفعهما في الاتجاه الصحيح.
إذن، يجب على أولئك الذين يعتقدون محقين، بأن من الأفضل دعم الدكتاتوريين العلمانيين بدلاً من الرهان على احتمالات الإسلام السياسي، أن يدعموا نظام بشار الأسد في سورية.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 A conservative split over the Middle East

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock