أخبار محلية

انقطاع الكهرباء الشامل: مشاكل فنية أم هجوم إلكتروني؟

د. أحمد حياصات*

الاستعراض التاريخي السريع لانقطاعات الكهرباء الشاملة أو الجزئية الكبيرة في الأردن يشير إلى أن هنالك انقطاعين مهمين حدثا العام 2004 والعام 2008. ففي العام 2004 انقطعت الكهرباء عن البلاد والعباد لمدة امتدت إلى ثلاث ساعات، إذ غرقت المدن الأردنية جميعها (بالعتمة) ما بين الساعة السابعة والتاسعة من مساء يوم اثنين في شهر آب (اغسطس)، وحصلت أزمة سير خانقة جدا وغير مسبوقة بسبب تعطل الإشارات الضوئية وخرج عشرات الآلاف من الأردنيين إلى الشوارع العامة بسبب العتمة وهربا من الحر الشديد داخل المنازل.
وتحدثت شركة الكهرباء الوطنية عن انخفاض كبير في مستوى الغاز المولد للطاقة في محطة العقبة الرئيسية التي تزود المملكة بالكهرباء، كما نقلت تقارير إعلامية عن مصادر رسمية بأن الجانب المصري اضطر لوقف تزويد الطاقة الأردنية بالغاز مؤقتا ذلك الاثنين بسبب تزايد الطلب المصري على الكهرباء وهي مشكلة ضخمة بالمعايير الفنية.
وفي العام 2008 حصل انقطاع جزئي كبير للتيار الكهربائي عن الشبكة الرئيسية. حيث انقطع التيار عن مناطق وسط وشمال المملكة (الأحد 19-10-2008) حوالي الساعة التاسعة صباحا واستمر لغاية الساعة الثانية عشرة. وقد كان السبب وفقاً لدراسة علمية منشورة هو سوء التنسيق بين الفنيين المسؤولين عن عملية صيانة العوازل الكهربائية على خطوط الضغط العالي 132 كيلوفولت مما أدى إلى تفريغ كهربائي، وتفاقمت المشكلة مما تسبب في تعثر معظم خطوط النقل 400/132 كيلوفولت جنوب عمان والمحولات الرئيسة المرتبطة بها.
والواضح أن الأسباب في الحالتين أعلاه كانت واضحة ومباشرة لا لبس فيها ولا ارتباك ولا تسويف، وتم تحديد الأسباب في الحالتين خلال ساعات قليلة فقط. في حين أن الانقطاع الشامل الأخير حصل في المملكة بعد الساعة الواحدة من ظهر يوم الجمعة الموافق 21-5-2021 واستمر عدة ساعات، على الرغم من أن الحمل الكهربائي ذلك اليوم في أدنى مستوياته فالجو كان ربيعيا وهو يوم عطلة لا عمل فيه ولا مصانع ولا أحمال تذكر.
وقد كانت الرواية الرسمية الأولى لتفسير ما حصل هو خلل في شبكة الربط مع الجانب المصري، إلا أن هذه الرواية لم تتماسك أمام النفي المصري السريع والمباشر لها، وتأكيد شركة الكهرباء الوطنية لاحقا بأن خط الربط الأردني المصري مغلق ولا تؤخذ منه أو تورد إليه أي أحمال. فكانت الرواية الرسمية الثانية بأن ما حدث يوم الجمعة هي حالة من تذبذب وتأرجح الأحمال، وهذه الرواية كانت لتلقى قبولا وقناعة لدى الكثيرين لو تم ذكر الأحمال الضخمة التي دخلت على الشبكة بشكل مفاجئ وغير مبرمج وأدت إلى ذلك التأرجح الذي يؤدي إلى سقوط الشبكة الكهربائية.
لكننا يجب ألا ننسى تأثير الهجمات الإلكترونية على كثير من مراكز تحكم شبكات الطاقة والمفاعلات النووية وشركات توزيع المشتقات النفطية وغيرها. فعلى سبيل المثال، تم رصد أول اختراق وهجوم إلكتروني كبير نهاية العام 2015 على أنظمة ثلاثة مشغلين إقليميين للكهرباء في اوكرانيا الأمر الذي تسبب بقطع التيار الكهربائي عن مناطق واسعة لعدة ساعات. واستخدم المهاجمون نوعا من البرامج الضارة التي تمسح الملفات من أنظمة الحاسوب وتغلقها وتؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي، وقد اتهمت أوكرانيا في ذلك الوقت روسيا بأنها وراء هذا الاختراق الإلكتروني.
كما أن البرمجيات الخبيثة قادرة على مهاجمة أنظمة الطاقة في جميع أنحاء العالم وقادرة على التسبب في انقطاعات تصل إلى بضعة أيام، ويمكنها أن تهاجم أنواعا أخرى من البنية التحتية بما في ذلك مزودو النقل والمياه والنفط والغاز.
ويعتقد على نطاق واسع من قبل الباحثين الأمنيين أنه تم استخدام البرامج الضارة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل لمهاجمة البرنامج النووي الإيراني. وقد يكون الفيروس الذي استخدم في الهجوم الأخير على المفاعل الإيراني (نطنز) في نيسان 2021 من نوعية البرمجيات التي تستهدف هذه الأنظمة والتي لم يطورها قراصنة عاديون وإنما مجموعات قرصنة مرتبطة بدول. وبحسب ما تناقلته وسائل الإعلام، فالهجوم استهدف شبكة الكهرباء في المفاعل النووي الإيراني ما نتج عنه حريق أو تفجير.
وقد أشار تقرير حديث قدم إلى الكونغرس في نهاية العام 2019 حول حماية البنية التحتية الحيوية في الولايات المتحدة إلى أن شبكة الكهرباء في الولايات المتحدة معرضة بشكل متزايد للهجمات الإلكترونية، ذلك أن الاتجاهات المتزايدة في التحكم الموزع وأتمتة الأنظمة تزيد من إمكانية مثل هذه الهجمات التي يمكن لأي خصم الاستفادة منها.
وفي هذا السياق فقد تعطل لمدة ستة أيام الخط الرئيس الناقل للمشتقات النفطية في الساحل الشرقي للولايات المتحدة والذي تملكه وتديره شركة كولونيال بايبلاين في منتصف الشهر الماضي عقب هجوم إلكتروني (قبل أسبوع من انقطاع الكهرباء الشامل في الأردن)، وقد أشارت تقارير صحفية إلى أن روسيا قد تكون وراء هذا الهجوم.
أمام كل ما تقدم، يبدو أن فرضية الاختراق الإلكتروني هي سبب محتمل وبنسبة عالية إذا ما اخذنا بعين الاعتبار الظروف السياسة في المنطقة والمتعلقة بتوافد الآلاف من الأردنيين على الحدود مع فلسطين المحتلة في ذلك اليوم وكل النشاطات التي رافقت الاحتجاجات الشعبية على ما يقوم به الكيان الصهيوني في غزة والأراضي المحتلة، وهو ما يمكن تفسيره بأنه احتجاج وغضب من الأردن في جانبيه الشعبي والرسمي. فكان الرد الإسرائيلي (المحتمل) باختراق منظومة التحكم لشبكة الكهرباء الأردنية كرسالة مضادة مفادها ما حصل وما قد يحصل.
كما أن المذكرة التي وقعها مجلس النواب الأردني والتي تطلب من الحكومة طرد سفير دولة الاحتلال قد وضعت الحكومة في وضع صعب سياسيا (للاعتراف) بأن ما حصل هو قرصنة إلكترونية من طرف الكيان الإسرائيلي، لذا كان الأفضل للحكومة أن تتكتم على مثل هذا السبب حتى لا تزيد المطالبات الشعبية والنيابية بطرد السفير. هذه فرضية ممكنة، لا ترقى إلى مستوى اليقين أو المعلومات، لكنها في ظل الظروف الموصوفة تبدو معقولة وذات احتمال كبير.

* الرئيس الأسبق لهيئة تنظيم قطاع الكهرباء والرئيس الأسبق لهيئة تنظيم قطاع الاتصالات.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock