;
أفكار ومواقف

انقلاب تركي بتداعيات عالمية وإقليمية؟

فيما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يبادر إلى الاتصال بنظيره التركي، وخصمه الأشد إلى ما قبل أيام قليلة، رجب طيب أردوغان، بعد الانقلاب العسكري الفاشل، مؤكداً أن “روسيا ترى أن الإجراءات غير الدستورية والعنف غير مقبولين وتأمل في استعادة النظام والاستقرار في تركيا”؛ كان وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيرو، يهاجم تركيا في اليوم نفسه؛ الأحد الماضي، في مقابلة تلفزيونية، بطرح سؤال “ما إذا كانت تركيا شريكا حيويا في المعركة ضد تنظيم “داعش” في سورية”. وهي “شكوك فرنسية” تبدو غريبة في توقيتها، فلا يمكن تفسيرها بجريمة نيس التي كانت قد وقعت قبل أيام من ذلك، طالما أن منفذها لم يثبت انتقاله من سورية (أو العراق) بل هو تنقل بين تونس وفرنسا.
والواقع أن الموقف الغربي الغامض خلال الساعات الأولى للانقلاب خصوصاً، وإلى حد ما حتى بعد ثبوت فشله، ليس إلا خيبة أمل جديدة لتركيا، ضمن خيبات كثيرة من “الحلفاء” الغربيين؛ لا ترتبط فقط بمرحلة الاضطرابات والحروب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ العام 2011، ولاسيما الصراع في سورية ودعم الأكراد هناك، بل هي خيبات يعود بعض منها إلى تاريخ أبعد، يبدأ على الأقل مع محاولات تركيا المتواصلة -منذ ما قبل حكم حزب “العدالة والتنمية”- الانضمام للاتحاد الأوروبي إنما من دون طائل.
مع ذلك، فإن الانقلاب الفاشل وتداعياته قد يكون محطة حاسمة في تحول تركي، ليس تاماً بالتأكيد، عن الحلفاء الغربيين، كنتيجة للضغوط المتبادلة بين الطرفين.
ففيما يصر أردوغان على ما سمي “تطهير الدولة التركية”، بمؤسساتها كافة، من الانقلابيين الفعليين والمفترضين، تتصاعد الانتقادات الأوروبية لهذه الإجراءات، ومعها التلويح بعقوبة الحرمان من دخول الاتحاد الأوروبي بشكل نهائي. وهو ما قد يعني بالمحصلة، مزيداً من التوجه التركي نحو الشرق، لاسيما بالتقارب مع روسيا. وهذا أمر ترغب فيه موسكو أيضاً بشدة، لأسباب كثيرة؛ عسكرية واقتصادية وسياسية. وقد قيل في انفراج العلاقات الروسية-التركية الذي سبق محاولة الانقلاب، إن من بين أهم أسبابه إحباط الحكومة التركية من المواقف الأميركية والأوروبية تجاه تركيا على صعد كثيرة متنوعة. وهو ما ستعمقه اليوم مواصلة سياسة الغرب القائمة على تجاهل تركيا أو حتى التضييق عليها وانتقادها.
طبعاً، لا يستطيع أي طرف، بما في ذلك روسيا التي تعاني مشاكلها الذاتية الكثيرة، تعويض تركيا عن جوارها الأوروبي. لكن في الوقت نفسه، قد تتحول العلاقة التركية-الغربية، في ظل استمرار المعطيات الحالية، إلى مستوى أقل من حلفاء فعلياً، مع بقاء تركيا حتماً ضمن “الناتو” الذي يحتاجها بدوره. وهذا الأمر ستكون له تداعيات كبيرة على منطقة الشرق الأوسط تحديداً، التي تبدو محط الاهتمام الحالي المشترك لكل من أنقرة المجاورة وموسكو الحاضرة عسكرياً في سورية؛ ولاسيما بسبب التنظيمات الإرهابية والأكراد، إضافة إلى المصالح الاستراتيجية للطرفين.
ومن ثم، يجب توقع سعي الأتراك والروس إلى بناء أجندة مشتركة فيما يتعلق بقضايا إقليمية ملحة في زمن الانكفاء الأميركي. أما تحديد طبيعة تداعيات هكذا أجندة؛ إيجابية أم كارثية، فسيتوقف على ماهية الشركاء الأفضل من وجهة نظر الروس والأتراك، في حال تحقق هذا السيناريو؛ العرب أم الإيرانيون والإسرائيليون؟

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock