فكر وأديان

“اهدنا الصراط المستقيم”

أسامة شحادة*

“اهدنا الصراط المستقيم” هي الآية السادسة من فاتحة الكتاب الكريم، وهي السورة التي سماها ووصفها النبي، صلى الله عليه وسلم، بأنها أم الكتاب، وأم القرآن، والكافية، والشافية، والمثاني، وهي أعظم سور القرآن الكريم، إذ روى البخاري وأحمد وأصحاب السنن، عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه، أنه قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه. ثم أتيته، أي بعد انتهاء الصلاة، فقلت: يارسول الله إني كنت أصلي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم يقل الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ”؟ يعني أن الأمر بالاستجابة لدعوته عام لكل حال. ثم قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: “ألا أعلمك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟”. ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ فقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: “الحمد لله رب العالمين” هي السبع المثاني والقرآن العظيم”.
وعظمة سورة الفاتحة أمر تناوله كثير من العلماء والمفسرين بالتوضيح والشرح الطويل. ونقتطف من ذلك قول الإمام ابن القيم في كتابه الفريد “مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين”، إذ يقول:
“فأما اشتمالها يقصد الفاتحة- على شفاء القلوب: فإنها اشتملت عليه أتم اشتمال، فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم، وفساد القصد.
ويترتب عليهما داءان قاتلان وهما الضلال والغضب. فالضلال نتيجة فساد العلم، والغضب نتيجة فساد القصد. وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها. فهداية الصراط المستقيم تتضمن الشفاء من مرض الضلال. ولذلك كان سؤال هذه الهداية أفرض دعاء على كل عبد وأوجبه عليه كل يوم وليلة في كل صلاة، لشدة ضرورته وفاقته إلى الهداية المطلوبة، ولا يقوم غير هذا السؤال مقامه”.
ولذلك، كانت الهداية إلى الصراط المستقيم أجل مطلوب وأعظم ما يُسأل ويطلب من الرب تبارك وتعالى. ومن نالها فقد حصل أشرف المواهب، وهي أكبر نعمة ينعم بها الهادي سبحانه على من يشاء من عباده. فعلى العبد الذكي والحريص على سعادته في الدنيا ونجاته في الآخرة، أن يكثر من سؤال الله تعالى الهداية إلى الصراط المستقيم.
فالهداية نوعان: الأول، الدلالة على الخير. والثاني، التوفيق والإعانة عليها وهي مختصة بالله عز وجل. ومن أجل هذا امتن الله عز وجل على عباده بالهداية، فقال جل من قائل: “… بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” (الحجرات، 17). وقال أيضا: “… كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ” (النساء، الآية 94). بل إن الله عز وجل ذكر نبيه بهذه المنة والنعمة العظيمة في قوله تعالى: “وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى” (الضحى، الآية 7).
ومن عظيم فقه الصحابة، إدراكهم لهذا المعنى العظيم. إذ أنشد الصحابي عامر بن الأكوع رضي الله عنه، كما في صحيح البخاري:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداءً لك ما اقتفينا وثبت الأقدام إن لاقينا
وقسم العلماء طلب الهداية من الله عز وجل ضمن عشر مراتب، إذا اجتمعت حصلت الهداية، والتي أحوج ما نكون لها اليوم في هذا الوقت المضطرب والمتلاطم بالأحداث والتطورات التي تدع الحليم حيرانا. وهذه المراتب هي:
الأولى: طلب الإنسان هداية العلم والبيان، في جعله عالماً بالحق مدركاً له. وكم نعانى اليوم من الجهل بالحق وعدم إدراكه، بسبب كثرة الشبهات الخداعة والشهوات البراقة.
الثانية: طلب أن يقدره عليه، وإلا فالإنسان غير قادر بنفسه على الهداية لولا إعانة الله عز وجل.
الثالثة: طلب أن يجعله مريداً للهداية والحق. وكم نصادف في من حولنا إصرارا على رفض الهداية والخضوع للحق.
الرابعة: طلب أن يجعله فاعلاً للهداية، وإلا فكم من الناس معترف بتقصيره وحاجته للهداية، ولكنه مقصر ومتكاسل من دون سبب أو مبرر.
الخامسة: طلب أن يثبته الله عز وجل على الهداية، وأن يستمرعليها إلى الوفاة. وكم رأينا من انتكس عن سبيل الهداية وسلك طريق الضلالة والغواية.
السادسة: طلب أن يصرف الله عنه الموانع والعوارض المضادة للهداية؛ من رفقاء السوء وضعف العزيمة وتكالب الهموم وغيرها.
السابعة: طلب أن يهديه في الطريق نفسها هداية خاصة، أخص من الأولى. فإن الأولى هداية إلى الطريق إجمالاً، وهذه طلب هداية للمراتب العالية ومنازل الصديقين والمقربين، أو طلب هداية لتفاصيل ودقائق النوازل والمدلهمات.
الثامنة: طلب الله أن يشهده المقصود في الطريق، وينبهه عليه، ويكون مطالعاً له في سيره، وملتفتاً إليه.
التاسعة: طلب أن يشهده الله عز وجل فقره وضرورته إلى هذه الهداية، فوق كل ضرورة، في ظاهره وباطنه، في جميع ما يأتيه ويذره. ويدخل في هذا أن يهدي غيره ويعلمه، فيصير هادياً مهدياً.
العاشرة: طلب أن يشهده الله عز وجل طريق المنحرفين عن الهداية، وهما: طريق أهل الغضب الذين عدلوا عن اتباع الحق قصداً وعناداً؛ وطريق أهل الضلال الذين عدلوا عنها جهلاً وضلالاً.
فهذه هي مراتب الهداية العشرة لا بد من استحضارها في سؤال الهداية في قراءة سورة الفاتحة، خاصة في هذه المرحلة التي تحتاج من الجميع التمسك بحبل الله القويم، وسؤال الهداية من الرحمن الرحيم.

*كاتب أردني

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock