;
ثقافة

علي السقا في “باب الصّخر”: لولا الحلم لمات الناس!

بقلم مهدي زلزلي

صدر عن دار الفارابي في بيروت، رواية بعنوان “باب الصخر”، للروائي والصحفي اللبناني علي السقا، وهي الثانية لعلي السقا بعد رواية “حي السريان”، (2016)؛ حيث يقدم لنا الكاتب مجموعة شخصيات رسمها بإتقان لتؤدي دورها على مسرح “باب الصخر” لعل أبرزها صفوان الذي فتح بمعوله في الصخر الميت بابًا على الحياة وبث الروح في الأرض اليباب، وآوى في جنته غرباء الأرض الذين عصوا الزمن فلفظهم وتركهم يهيمون تائهين كطيور مسملة العيون، وأنجاهم من ميتة في دروب التيه تشبه نفوق الدواب يخفي فيها العشب عظامهم قبل أن تمضغهم الأرض على مهل، فكيف كافأه هؤلاء؟
تظن أن ثنائيات “الحياة والموت” و”الحب والحرب” قد استنزفت روائيا بما يكفي حتى لم يعد فيها مطمع لكاتب أو مطمح لقارئ يبحثان عن جديد، ليثبت لك العكس، مقدما مقترحا سرديا لا يخلو من الجدة لقضية قديمة هي الحب؛ إذ يجمع شخصين من ديانتين مختلفتين فيكون سببًا في الحرب!
تعدد الرواة وغنى الحكاية بالأحداث المفصلية لا يسمحان للقارئ بفرصة لالتقاط الأنفاس، تؤازرهما في ذلك لغة متينة لعلها نادرة عند الكتاب الشباب في العصر الحديث، وحبكة شائقة أجاد الكاتب صنعها محتفظًا بخيوطها مؤجلًا الكشف عن بعضها إلى الوقت المناسب وعلى لسان الرواي الذي يختاره هو لهذه المهمة دون غيره، مستغلًا الطابع الفانتازي للرواية ليجعل الحياة والموت بطلين من أبطالها، وشاهدين على أحداثها، وراويين يستأثران بمساحة كبيرة من السرد لا تقطعها إلا حواراتهما التي تتسلل عبرها أغلب الرسائل التي أراد لها الكاتب أن تصل إلى قارئه بعيدًا من الخطابة والإنشاء والوعظ والتلقين.
ويبرر الكاتب علم الراوي بما ليس يفترض أن يحيط به علمه بأن أحدهم حكى له ذلك سابقًا (كما في حالة الطفل رضا ووالدته فاطمة)، وفي مكان آخر يمكن أن تسخر الشخصية من الحكمة التي “هبطت بين يديها فجأةً” لتبرر ورود عبارة على لسانها أكثر بلاغة من مستواها المفترض.
وعلى أهمية “باب الصخر” في البناء السردي كمسرح لمعظم أحداث الرواية، فهي ليست الفضاء المكاني الوحيد الذي يدور فيه الصراع، هي جنة صفوان الموعودة التي خلقها الحب وأماتها غيابه بعد حين، وقبلها كانت “كفر اليمام” التي منها أتى أيوب وكريمة عاشقين منبوذين إلى قرية “الشيخ راشد”؛ حيث صنع لهما صفوان منزلًا بجوار منزله سماه “دارة الحب” وآواهما فيه خلافًا لرغبة أبناء قريته. وحين همّ أيوب بقتل ما طرحته زوجته لكونه مولودة أنثى لم يكن أمام صفوان لحماية الوليدة فاطمة وأمها سوى قتل أيوب، والارتحال بهم إلى جوار قرية “الحوارة” حيث سيصنع وسط وادٍ صخري دارةً تتسع لعدد أكبر من المحبين المنبوذين، ليدفع ثمن ما فعله بأيوب حرمانًا اختياريا من كريمة التي أحبها بصدق وعاش عمره كاملًا قريبًا منها، فهو لم يقتل أيوب ليستأثر لنفسه بزوجته، قبل أن يدفع بعد حين حياته نفسها ثمنًا لعطاء مماثل. هو الموت حبا في الحياة، الموت حين يصبح ضرورةً ومعبرًا إلزاميا إلى حياة كريمة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock