ثقافة

“باب لا يغلق”.. مجموعة قصصية تستشرق حكايات انسانية

العتوم لـ"الغد": لا يمكن للكاتب أن ينفصل أبدا عن بيئته الأولى

عزيزة على

عمان – تشرع المجموعة القصصية الصادرة بدعم من وزارة الثقافة “باب لا يغلق”، للقاصة ماجدة العتوم أبوابها على كل ما هو انساني، وهذه المجموعة الثالثة للعتوم بعد “أحلام مهزومة”، و “تأخرت جداً”.
تشتمل المجموعة التي صدرت عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان القصص التالية: “أرجوز، العين، شجرة العائلة، رجل الصبار، يتم، بداية، حزن، جشع، اليد، ابتسامة، امرأة بيضاء، السندباد، وجهان، تفاصيل، مسمار، باب لا يغلق، تباً، هما، أمومة، سوء فهم، خوف، في الغياب، الصورة، محمد الأعسر، شجرتان، البنت، العجوز، رجل الصوت والصدى، هواجس ليست مجنونة، حجر كريم، السر، خيانة، شكراً سارة، انتحار، إشارة، سندريلا، حكي، انفلونزا، تفاحة.
وتنحاز هذه القصص التي تتراوح بين الطويلة والقصيرة، إلى كل ما هو إنساني، وما يرتبط بالقيمة والأخلاق الإنسانية التي أصبحت أقرب إلى الاختفاء منها إلى الوجود، كما تؤكد القصص الوفاء والأصالة وعدم التميز مثل قصة “أرجوز”، التي تحكي عن أرجوز الحارة الذي لا يعرف أصله ولا فصله، فلا أحد يجرؤ أن يسأل من أين أتى، ويعد أخا لكل أبناء الحارة وعندما يرحل يحزن عليه الجميع فهو رمز من رموز الحارة.
وقصة “شجرة العائلة”، التي تعد أجمل ما في البيت الذي يجمع أفراد الأسرة الممتدة في المرحلة الأولى من عمرهم وبعد وفاة رب الأسرة يباع البيت لرجل ثري يحوله إلى “مطعم كبير يرتاده الناس من أماكن مختلفة، نظراً لأن صاحبه الجديد ترك فيه أثراً من أصله القديم مع لمسات حديثة وإضافات جميلة.
القاص الراحل الياس فركوح كتب كلمة على غلاف المجموعة يقول فيها “الإدهاش في هذه المجموعة يكمن في المفارقة المتأتية عن الحركة بين منطقتي الوهم والحقيقة، بين المتحقق على نحو ممل، بحكم الروتين المتكرر البليد، والمرغوب فيه حين يحتل كياننا الإنساني في صبوه لأن يكتمل. وهذا في مجمله، حين إمعان التفكير فيه، إنما يشير إلى ضرب من فقر يجتاح حياة الأفراد في مجتمع يفتقر إلى علاقات ذات سوية صحية.. أو بالأحرى يفتقر إلى شروط تلك العلاقات”.
العتوم قاصة أردنية من محافظة “جرش”، تسلط الضوء في هذه المجموعة على الواقع الإنساني، فلا تستورد قصصها وحكاياتها من مخيال بعيد، بل من بئيتها الأولى كما تقول في تصريح لـ “الغد”: “لا يمكن لأي إنسان أياً كان أن ينفصل عن بيئته الأولى، ومهما شرّق وغرّب أو اغترب يظل المكان الأول هاجسه”.
المكان الذي أقام فيه الإنسان يوماً، يصير كما ترى القاصة: “هو المكان، هو الذي يقيم في داخل الإنسان مع مرور الوقت. و”هكذا أشعر كما في صوت قرقرة ماء نبع “سوف” الذي لطالما ارتدناه أنا وإخوتي وغببنا من مائه، وصورتي التي أراها بمنأى عن المرآة، هي صورتي المنعكسة في ذلك الماء، وفي روحي تقيم شجرة عتيقة كانت مزروعة في أول قريتي سوف، تلك التي كنا نتفيأ ظلالها في طفولتنا ولا أزال أتفيأ ظلالها رغم أنها لم تعد موجودة الآن”. ولعل اغتراب الإنسان المعاصر في المدن وزخمها وتعقيداتها يجعل ارتداده للبيئة الأولى أمراً طبيعياً، لأنها الحب الأول بكل بساطته وبراءته، وحتى سذاجته”.
وتؤكد العتوم أن قصصها “لن تخلو من (سوف) مرتع طفولتي الحبيب، لن تخلو من حضور أبي، أمي، إخوتي، أجدادي وكرومهم المزروعة بالعنب والتين والزيتون، والعيون التي تروي تلك الكروم، بيوتهم المبنية من الطين التي تحولت إلى بيوت حديثة من الحجر، لن تخلو من أصواتنا ونحن نركض في المكان ونلعب بكل الأماكن الممكنة في ذلك الزمان، ومن أحلامنا التي ستظل تلاحقني حتى لحظتي الأخيرة”.
لذلك تقول القاصة إنها تستحضر صورة جدها في أغلب قصصها فهو بالنسبة لها “رأس النبع، ومصدره الأساس، وبداية تكوينه، ونحن مهما بلغنا من البعد، نظل مسكونين بالحنين إلى البدايات.. والجد هو منبع الحكايات الشهية والشقية، ولطالما تمنيت لو عاصرت جديّ عمراً أطول لأستمع إلى الحكايات- التي انتقلت منهما إلينا بشكل غير مباشر- تمنيت لو سمعت تلك الحكايات منهما مباشرة لأحفظها وأنقلها بدوري إلى أبنائي وأحفادي كما قالوها هم تماماً. تلك القصص التي لا بد من جمعها والاستفادة منها من خلال توظيفها في الكتابة. ولطالما كان بيت الجد هو أكثر الأماكن حميمية ودفئاً في طفولتنا وسيظل له أثره الواضح في كل ما أكتب وما سأكتب”.
العتوم التي درست اللغة الإنجليزية وآدابها، وحصلت على البكالوريوس والماجستير في نفس التخصص، تقول “أكتب باللغة العربية لأنها لغتي، أحبها وأعتز بها، وأدرك تمام الإدراك أنني مهما بلغت من القدرات والإمكانات في اللغة الإنجليزية، فإنها لن تعبر عني بمقدار ما ستفعل اللغة العربية، بوصفها لغتي الأم”.
وتوضح القاصة أن الاطلاع على اللغات العالمية مثل الإنجليزية يفتح أمامها الباب لتطلع على الأدب العالمي، مثلاً دراستها للغة الإنجليزية ساعدت في قراءة هذا الأدب بلغته الأولى في الجامعة، “درسنا شكسبير، فيتزجيرالد، جوزيف كونراد، صموئيل جونسون، ارنست همنغواي، فرجينيا وولف، وغيرهم الكثير ممن كتبوا باللغة الإنجليزية، ولا بد أن أعمالهم ومهما كانت الترجمة بليغة، فإنها تبدو بلغتها الأصل أجمل”.
وتشير العتوم إلى أنها أثناء دراستها في الجامعة درست أدب آداب أخرى غير الإنجليزية مترجمة إلى الإنجليزية، وهذه الدراسات والقراءات كما تقول “أثّرت في كتاباتي الخاصة، وأثرَت لغتي من العالم الذي أحب وهو عالم الأدب”.
تضم مجموعة “باب لا يغلق”، قصصا قصيرة طويلة نوعاً ما، وهناك قصص قصيرة جداً، فالعتوم لا تفاضل نوعاً على الآخر، فهي تحب كتابة القصة بكل أنواعها، المهم أن تعبر عن الفكرة التي تجول في بالها، وأن تكون لغتها واضحة وصادقة، وأن تصل إلى المتلقي وتُحدث الأثر الذي ينبغي لها أن تُحدثه بغض النظر عن طولها أو قصرها. لعل هناك فكرة لا يناسبها أن تطول، وأخرى تحتاج إلى سرد أكثر وتفصيل أطول. المهم كما تقول: “إنني في النهاية أنحاز فقط للكتابة، والكتابة فقط”.
العتوم مقلة جداً في الإصدار فأول مجموعة قصصية صدرت لها “أحلام مهزومة”، في العام 2002، أما المجموعة الثانية “تأخرت جداً”، فكانت في العام 2010، ومجموعتها “باب لا يغلق”، 2020، تبين العتوم أن هذه المسافة البعيدة بين كل مجموعة قصصية وأخرى ربما يرجع إلى أنها فكرت يوماً بالتوقف عن الكتابة إذ تقول: “في أكثر من مرة، حاولت التخلص من أناي الكاتبة، تلك التي تختلف أحياناً مع أناي العاملة، والأخرى الأم، وتلك الزوجة والعاشقة وغيرهن.
وتتابع القاصة: تعدد الأنا جعلني أظن أنه من الممكن الإقلاع عن الكتابة، وهذا التعدد حقيقي جداً لدى الكثير من الكاتبات، وهو ذاته الذي تحدثت عنه اليف شافاق في كتابها “حليب أسود”، لكنني كنت في كل مرة لا أتمكن من الإفلات من ماجدة التي تكتب، فالكتابة لا يمكن التخلص منها، ولا أجزم أنني سأتوقف عن تكرار هذه المحاولة في قادم الأيام، رغم أنني أصبحت على يقين تام أن التنفيذ بات مستحيلاً، لأنني كل أولئك معاً: العاملة والأم والعاشقة والزوجة، وقبل كل ذلك، الكاتبة، شئت أم أبيت، حتى وإن لم يتحقق الاتفاق بين تلك الشخصيات. في آخر المطاف فأنا لا أحب أن أتحدث عن نفسي ككاتبة، لكنني أفضل التحدث عنها كعاشقة من الدرجة الأولى للكتابة، ولا أستطيع إلا إليها سبيلاً”.
ويذكر أن ماجدة العتوم هي عضو رابطة الكتاب الأردنيين وقد حصلت على جائزة الإبداع الشبابي “حقل القصة” من اللجنة العليا لإعلان عمان عاصمة للثقافة العربية في العام 2002، وحصلت على جائزة رابطة الكتاب الاردنيين لغير الأعضاء في العام 2006، وصدر لها العديد من القصص المترجمة إلى اللغة الإنجليزية، وتعمل في مجال التعليم.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
51 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock