ثقافة

باحثون يناقشون التراث الموسيقي الشعبي في البلاد العربية

محمد جميل خضر


عمان– ازدحم اليوم الأول (أمس) من “مؤتمر المَجْمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية في دورته العشرين” بالفعاليات.


ومنذ صباح أمس انطلقت في مركز الحسين الثقافي أعمال المؤتمر الذي يحظى برعاية جامعة الدول العربية وبمشاركة عربية نوعية (جميع الدول العربية مشاركة فيه باستثناء موريتانيا والصومال وجيبوتي).


ودار في فعالية الصباح حوار مفتوح بين طلبة مدارس عديدة وأساتذة الموسيقى ونقادها والمختصين فيها في العالم العربي.


وعقدت بعد ظهر اليوم الأول جلسة المؤتمر الأولى المتعلقة بالندوة العلمية الرئيسية في المؤتمر “التراث الموسيقي الشعبي في البلاد العربية عبر مقاربة تقويمية وتحليلية”: وشارك في الجلسة التي أدارها أستاذ الموسيقى في كلية فنون وتصميم الجامعة الأردنية د. عبد الحميد حمام: د. عبد الحميد المعيني من الأردن “التراث الشعبي إطاراً لغوياً”، الباحث الموسيقي العراقي د. علي عبد الله “موسيقى الإعلان الشعبي: دراسة توثيقية تحليلية”، الأكاديمي الموسيقي الأردني د. رامي حداد “غناء الحُداء من قوالب الغناء في البادية الأردنية”، الباحثة الموسيقية اللبنانية منى الصائغ “موروث غناء الزلغوطة عند النساء في لبنان” والباحث الموسيقي الكويتي د. صالح حمدان الحربي “المقالة الحربية في أفول أغاني العمل البحرية في الكويت”.


وتغيّب عن الجلسة الأكاديمي التونسي د. محمود قطاط الذي تحمل ورقته عنوان “الأثر الأمازيغي في التراث الموسيقي التونسي”.


وخاض أستاذ اللغة العربية في جامعة اليرموك د. عبد الحميد المعيني في الإطار اللغوي لمفهومة التراث. وأوضح أن كلمة التراث، بحسب ما ورد في “لسان العرب” لابن منظور، مأخوذة من الفعل وَرِث، والتاء فيها مبدلة عن الواو، “وهو أمر موجود وقائم في تحول المفردات عند اللغويين العرب ويسمونه: قياس الأبنية”.


وذهب في بحثه المعنون “التراث الشعبي إطاراً لغوياً” إلى أن هناك مفردة أخرى تعطي مفهوم التراث في سياقاتها اللغوية وهي المأثور والجمع مأثورات.


وعرّف الباحث التراث الشعبي بأنه الإنتاج الذي نسب إلى مجموع من الشعب لا كله فالتراث الشعبي خصوص لا عموم، وقد أضحى هذا التعريف عنوانا له عند الذين يتداولونه، ويقوم على مجموعة من العوامل أهمها:


المنتِج: وهو المبدع والمؤلف، ويكون مجهولا وأحيانا معروفا وأنا أرى أن الشعبي معروف. المنتَج: وهو التراث الذي له أنماط وأنواعه ويكون: صوتياً في الغناء والموسيقى، وقولياً في الأدب والشعر والحكايات وغيرها، وحركياً في الرقص.


وأفاد المعيني أن التراث الموسيقي الشعبي يتوزع في مسارات أهمها: الأغنية الشعبية بكل أنواعها وتسمياتها، الموسيقى الشعبية بآلاتها، وبما هي عليه في التأليف والتلحين والأداء وغير ذلك، الكلمة الشعبية من حيث: الشعر والأقوال، والتمثيل، والحكايات وغيرها، الرقص والحركات الشعبية وما يصاحبه من اهتمام بالأزياء.


وذكر من سمات التراث الشعبي: المرونة، والبساطة، والعفوية، والسهولة، والتلقائية في الصنعة والآلة. ورأى بأنه يميل إلى الجانب النفعي أكثر من الجمالي، وإلى التكرار والارتجال وتجنح إلى الخيال، وأن فيه جرأة وصراحة وبأنه يرتبط بالأرض والإنسان ويستمد منتجه من البيئة المحيطة، ويتعامل مع الصيغ والتعابير التقليدية، والجاهزة، وغير المعقدة.


الباحث العراقي علي عبد الله يستنتج في ورقته للمؤتمر “موسيقى الإعلان الشعبي: دراسة توثيقية تحليلية”، أن اللحن الشعبي يستوعب أكثر من مقام، وأكثر من نسبة لحنية، وأن الاختلافات المتغيرة في تلك الألحان الفطرية سواء أكانت في المقامات أم في الإيقاعات أم في النسب اللحنية النغمية، إنما تدل على “ذائقة موسيقية تلقائية متميزة في صياغة اللحن وأدائه، وتدل من ناحية أخرى على ارتياح المتلقي لتلك الألحان والاستجابة لها”.


ويرى أن أغاني الباعة المتجولين تتصف بالتفرّد إذ “يختلف كل شخص باتباع طريقته النغمية الخاصة التي تميّزه عن غيره، يعبر فيها عن تفاعله مع البيئة الموسيقية الشعبية التي تعكس من خلالها ملامح الطبقة الكادحة ولكنتها الخاصة”.


ويسوق في بحثه التطبيقي أن الموسيقى العالمية تأثرت بالمأثورات الشعبية بشكل عام ومنها ألحان الباعة المتجولين عندما ظهر الاتجاه الموسيقي القومي خلال القرن التاسع عشر نتيجة ردة الفعل المباشرة على عصر الرومانتيكية ومبادئه، فبدأت بوادر التعامل مع الموروثات الغنائية الشعبية تأخذ مكانتها في المؤلفات الموسيقية وفي اهتمام  كبار المؤلفين الموسيقيين.


ويقول “ففي الغرب تضمنت موسيقى ( Shopan ) تلك الجمل الشعبية ونظمتها في معزوفات خالدة، وعند (  Bela Bartok  ) الذي ارتبطت به حركة بعث الموسيقى المجرية ، وفي روسيا كان تأثير (Gleneca   ) كبيراً في تعامله مع ألـ ( Themes   ) الشعبية التي احتلت مكاناً مهماً في الأوبرات التي أنجزها ،كما نهل الخمسة العظام (   ) من الموسيقى الشعبية ما جعل الموسيقى الروسية أكثر التصاقاٌ بالناس”.


ويلقي الأكاديمي الأردني د. رامي حداد في ورقته “غناء الحُداء من قوالب الغناء في البادية الأردنية”، ضوءاً على قالب الحُداء كأول أنواع الغناء عند العرب. ويورد أنه ينتشر في الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، حيث كان ينشده الحادي ممتطياً ناقته متقدماً قافلته ليحث إبله على المسير وفي محاولة لتخفيف عناء السفر عن نفسه وعن تلك الإبل. وبيّن الباحث في بحثه خصائص الحُداء وتركيبه الفنّي من ناحية شعرية وموسيقية واللغة المستخدمة فيه وارتباطه مع الرجز، كما أبرز الأهمية التي تنطوي عليها المحافظة على مثل هذا الغناء، ويعرض الباحث في بحثه نماذج من نصوص شعرية ومدوّنات موسيقية لأغاني الحّداء كما وبيّن المناسبات التي يؤدى فيها هذا النوع من الغناء العربي الأصيل.


ويعرّف حداد الغناء البدوي بأنه ذلك الغناء الذي يخص المجموعات البشرية التي تقطن البادية العربية، “وقد كان للبيئة الجغرافية الأثر الواضح في الغناء البدوي، فالبدوي لم يأخذ من الصحراء والبادية قساوتها فقط، بل أخذ منها الشجاعة والكرم وصفاء الروح، والقصائد البدوية جميلة في صورها الشعرية الشفافة، فالشعر البدوي يجمع بين الحلاوة والضراوة. ذلك أن البيئة الاجتماعية وطبيعة الحياة البسيطة ولكن القاسية مرة والوادعة في أخرى تعطي للغناء البدوي طابعاً مميزاً”.


وتبيّن الباحثة اللبنانية منى زريق الصائغ في ورقتها “موروث غناء الزلغوطة عند النساء في لبنان”، بأن الزّلغوطة كناية عن بيتين من الشعر الشعبي في كل بيت وصدر وعجز. وترى بأن لكلمة (آويها) وظيفة أساسية في وقع الزّلغوطة الموسيقي “فهي بالإضافة إلى ما تشيعه من إيقاع نغمي جميل، تخلّص ما يليها من الابتداء بالحرف الساكن، إذ تنضم الـ (ها) فيها إلى الحرف الساكن الذي يليها مباشرة”.


وعدّد الباحث الكويتي د. صالح حمدان الحربي في ورقته “المقالة الحربية في أفول أغاني العمل البحرية في الكويت”، فنون العمل البحرية ذات الأصول البرية التي شكّلها الناس في منطقة الخليج وأضافوا عليها كي تلائم ظروفه البحرية.


وقال “وبعد فترة من تطور هذه الفنون أصبحت فنونا خاصة بالبحر لا يتم بناء سفينة وتنزيلها إلى البحر ثم إلى السفر أو الغوص إلا وتصحبها فنون خاصة كأنها طقوس دينية يمارسها البحارة.  طقوس خاصة تتعلق بالبحر”.


ومن تلك الفنون، يستعرض الحربي فنون بناء السفينة قبل نزولها إلى البحر “وهي كثيرة لعل من أهمها فن طلاء السفينة وهو فن زمنه بطئ يتلاءم مع عمل طلاء السفينة، ولذا سمى هذا الفن (بالسنجي)”.


وبعد استعراضه أنواع الغناء البحري مثل السنجي ورفع الشراع وغيرها، يذكر الحربي أن متغيرات وظروف كثيرة ساهمت في اندثار الفنون البحرية، ومن تلك المتغيرات: تغير مكان الأغاني وتغير المناخ الاقتصادي، ويقول “بالتدريج اختفت ألحان السنجني واليامال وغيرها من فنون العمل وذلك باختفاء المهنة والضرورة النفسية لأداء هذا العمل ومن ثم ساهم ذلك في اندثار هذا النوع من الغناء”.


ويتحدث في جلسة اليوم من جلسات ندوة المؤتمر العلمية “التراث الموسيقي الشعبي في البلاد العربية عبر مقاربة تقويمية وتحليلية” التي تعقد في الثالثة والنصف في مركز الحسين الثقافي الباحثون والأكاديميون: اللبناني د. يوسف طنوس، الباحثة المصرية د. نادية عبد العزيز عوض، البحريني أحمد الغانم والأردني محمد علي رضا الملاح.


وتنطلق في العاشرة من صباح اليوم الجلسة الأولى من جلسات المؤتمر العام للمجمع العربي للموسيقى، المتعلقة بشؤونه الداخلية وبحث سبل تطوير الموسيقى العربية، وهي الجلسات التي تختتم بإجراء الانتخابات الدورية للمجمع.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock