أفكار ومواقفرأي في حياتنا

“باراسايت”

عندما كتب صنع الله ابراهيم، الروائي المصري الكبير، مجموعته القصصية “تلك الرائحة” سنة 1965، كانت تعبيرا صارخا عن الصراع الطبقي المحتدم، وكان الكتاب ممنوعا، حتى أنه لم ينشر بشكل كامل ودون حذف حتى منتصف الثمانينيات!
وكان مفهوماً في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي أن يعبّر كاتب شيوعي عن الصراع الطبقي بأدوات ذلك الزمان، مثل رائحة أجساد الفقراء مقابل رائحة السجّاد المعطَّر في فلل الأثرياء، وأدوات أخرى بسيطة لغويا، وكذلك مشهديا حين تُحوَّل الرواية للسينما.
كانت اللغة متقشقة، وكذلك الخيال، ومجمل أدوات الإبداع، ولم يكن ذلك لفقر تقني فحسب، وإنّما لأن الإبداع عموما في ذلك الزمان كان إبداعا رساليا بامتياز، همّه إيصال الفكرة، والموقف من “الصراع”، دون بلاغة أو محسّنات بديعية، بل حتى أنّ هذه كانت تعتبر ترفاً لا يليق بالكاتب الثوري!
كل ذلك كان مفهوماً في تلك الفترة، ولم تكن مدرسة “الفن لأجل الفن” لتصمد أمام الخطاب العالي لقوى اليسار، بل كانت تظهر على استحياء في أعمال قليلة متفرقة.
لكن المثير للدهشة الآن أن يظهر فيلم في 2020 ليفوز بأربع جوائز اوسكار دفعة واحدة، وهو يعتمد هذه الأدوات القديمة للتعبير، الأدوات التي تعيد شكل الصراع فنّيا إلى عصر قديم، ولا تستفيد من تطوّر الخطاب، ومن المراكمات الهائلة التي موّلها هذا الصراع الأزلي.
أعرف كثيرين استهجنوا هذه الجوائز التي انهالت على الفيلم، من الاوسكار، ومهرجانات أخرى، لكنّ الحماية أو الحصانة الموهومة التي يمنحها الاوسكار لأفلامه تجعل البعض متهيّباً من مخالفة مهرجان جوائز كبير، وتجعله يعتقد أن هنالك جوانب أكثر غموضاً ودهاء في الفيلم لم يستطع هو ببساطته أن يراها، وأن أهل هوليوود المحنّكين أدرى منه، ويعرفون أين يضعون جوائزهم!
لكنّ الأمر ليس كذلك بالمرّة، فمعايير المهرجانات، والاوسكار تحديداً، غادرت المربّع الفنّي (مخرج وكاتب ومصوّر وممثل) وكرَّست معايير إضافية أخرى، تكاد تكون في أغلبها غير مرئية، لذلك لا أزعم في حالة هذا الفيلم أنني أراها، فهو فيلم عادي جداً أو أقلّ، ربما يستحق إن حالفه الحظ جائزة التصوير لأجل بعض المشاهِد، لكنه من غير المعقول أن يتفوق على أفلام مثل “الجوكر” و”الرجل الإيرلندي” و”1917″ والتي كانت في قائمة المنافسة معه!
هل كان من المعقول أن يخرج روبرت دي نيرو وآل باتشينو من هكذا مهرجان بيدين خاليتين!
شخصياً لا أرى في فيلم “باراسايت”، الكوري الجنوبي، الذي يتحدث عن الكائنات الطفيلية المتسلقة كما يصف الفقراء، وبمعالجته السطحية المضحكة للصراع الطبقي، أي مؤهل للفوز أو حتى الوصول للمنافسة على جوائز اوسكار، إلا أن كان نقده وسخريته لأسلحة كوريا الشمالية في بداية الفيلم يستحق كل هذا التكريم!
فضلاً عن أن طرحه لموضوعة الفقراء لم يكن من باب الدفاع عنهم، أو انصافهم، بقدر ما سلّط الضوء على فتكهم ببعضهم، وتحطيمهم لفرص أبناء جلدتهم، وصوَّرهم كمجموعة محتالين، فيما قدَّم الثري كرجل نبيل حتى وإن تضايق من رائحة الفقير لكنه كان مهذباً في التعامل معه بداية.
التلميع الذي حصل عليه الفيلم غير مفهوم، وغير مبرر فنياً، وتحديداً في جائزة “أفضل سيناريو”!
.. لكن ما حدث، يشبه ما يحدث كثيراً، في مسابقات ملكات الجمال، حيث الوصيفة غالباً أجمل من الملكة!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock