ترجمات

بالسلاح وبرمجيات التجسس.. إسرائيل تبحث عن النفوذ في إفريقيا

زويليفليل مانديلا* – (أوريان 21) 5/5/2022

انعقد أول مؤتمر إفريقي للتضامن مع فلسطين في أوائل آذار (مارس) 2022 بداكار، عاصمة السنغال. وسيراً على خطى جده نيلسون مانديلا، الذي صرح بأن “تحررنا لن يكتمل ما دامت فلسطين لم تتحرر”، اغتنم النائب في برلمان جنوب إفريقيا، زويليفليل مانديلا، فرصة التحدث في هذا المؤتمر للتنديد بالنفوذ المتزايد لإسرائيل في القارة الإفريقية.

  • * *
    في الشهر الماضي، تشرفت بإلقاء كلمة خلال المؤتمر الافتتاحي للشبكة الإفريقية للتضامن مع فلسطين بداكار في السنغال. وقد اجتمع هناك مناضلون من 21 بلدًا إفريقيا لبناء حركة على مستوى القارة لدعم النضال من أجل التحرر الفلسطيني ضد نظام الفصل العنصري الإسرائيلي. وكان لي الشرف بأن أكون إلى جانب العديد من الشباب الأفارقة الشجعان الذين أعادوا تأكيد الموقف التاريخي لقارتنا بخصوص فلسطين والعلاقة الراسخة مع الفلسطينيين: شعبان يشتركان في كفاح مشترك ضد الاحتلال والاستعمار والفصل العنصري (1). وأتصور أن جدي الراحل، نيلسون مانديلا، قد شعر هو كذلك بأنه بين رفاقه عندما سافر قبل 60 سنة إلى داكار لحشد الدعم الإفريقي للكفاح من أجل تحرير جنوب إفريقيا.
    ناقش مندوبو الشبكة اختراق إسرائيل، دولة الفصل العنصري، لإفريقيا، التي تعتمد على توفير التقنيات العسكرية وتقنيات المراقبة للعديد من الحكومات القمعية في القارة. ومن خلال هكذا أعمال، تضعف إسرائيل الديمقراطية وحقوق الإنسان في إفريقيا، والتضامن مع فلسطين في القارة أيضاً. وقد أيدتُ هذا التشخيص عندما تحدثت خلال الحدث العام الذي نظمته الشبكة يوم 12 آذار (مارس)، وأبرزتُ كيف غرست إسرائيل مخالبها في إفريقيا.
    تسعى إسرائيل بشدة إلى إيجاد حلفاء لها، في الوقت الذي بات عدد متزايد من منظمات حقوق الإنسان التي تحظى باحترام كبير تصفها بدولة الفصل العنصري. وهي تستخدم أدوات المراقبة والتكنولوجيا العسكرية والزراعية كورقة للمساومة وشراء شرعية لها في إفريقيا. وفي هذا السياق، توغلت إسرائيل في الهياكل الإفريقية بطرق عدة، بعضها علنية وأخرى أكثر سرية. وليس هذا الكلام معاديا للسامية، كما زعمت بشكل هستيري بعض وسائل الإعلام الموالية لإسرائيل في جنوب إفريقيا. وقد حكمت المحكمة الدستورية في جنوب إفريقيا مؤخراً بأن انتقاد إسرائيل لا يعني مهاجمة اليهودية. هناك فرق واضح بين اليهودية والصهيونية، وبين الشعب اليهودي وممجدي إسرائيل.
    تأجيج نيران الحرب
    كان تصدير أسلحة كان قد تم اختبارها على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة إلى بعض الأنظمة الأكثر دموية في إفريقيا عنصرا أساسيا في الدبلوماسية الإسرائيلية لعقود من الزمن، عندما كانت هذه الدولة تسعى إلى إعادة الاتصال بمعظم أجزاء القارة الإفريقية بعد أن قاطعتها هذه الأخيرة بعد “حرب تشرين الأول/ أكتوبر” سنة 1973.
    قامت إسرائيل بتسليح نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا في السبعينيات والثمانينيات. وخلال عقد التسعينيات، انتهكت الحكومة الإسرائيلية حظر الأسلحة الدولي المفروض على رواندا وزودت كلا من قوات الهوتو الحكومية وجيش بول كاغامي المتمرد بالأسلحة، وكان ذلك أثناء حدوث عملية الإبادة الجماعية. كما انتهكت إسرائيل حظر الأسلحة الدولي مجددًا من خلال تزويد كل من الميليشيات الموالية للحكومة وقوات المعارضة في جنوب السودان بالأسلحة، في إطار الحرب الأهلية التي تدمي هذا البلد. وقد حولت شركات الأسلحة الإسرائيلية بلا خجل ما قيمته 150 مليون دولار من الأسلحة الهجومية تحت غطاء مشروع زراعي لجنوب السودان. كما تقوم إسرائيل منذ سنوات بتدريب وتسليح الوحدات العسكرية التي تحمي الأنظمة الرئاسية القمعية في الكاميرون، وأوغندا، وغينيا الاستوائية وتوغو. وهي بذلك تسهم في إبقاء حكام دكتاتوريين في السلطة.
    كما تزود إسرائيل حكومات أفريقيا أيضاً بالأسلحة السيبرانية، مثل برنامج التجسس “بيغاسوس” الذي تنتجه مجموعة “إن إس أو” الإسرائيلية، وبرنامج “سيركلس”، لحكومات إفريقية عدة من أجل سحق المعارضة، وقمع الصحفيين والمعارضين السياسيين ونشطاء حقوق الإنسان. بل وتستخدم هذه البرمجيات حتى في التجسس على قادة أفارقة آخرين، بمن في ذلك رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا. وتسمح برمجيات التجسس هذه باختراق الاتصالات المشفرة لأي هاتف ذكي يعمل بنظام أندرويد أو آيفون. وخلال السنوات الأخيرة، غازلت إسرائيل القادة الأفارقة بإهدائهم تكنولوجيات التجسس على أمل كسب دعمهم في الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي. وكانت مساعدة القادة على البقاء في السلطة على حساب حقوق الإنسان في إفريقيا وسيلة فعالة للحكومة الإسرائيلية لعقد صداقات في القارة.
    التدخل في الانتخابات الإفريقية
    كما تدخلت شركات وأفراد إسرائيليون في الحملات الانتخابية في كل الدول الإفريقية تقريبا، ما يقوض بعض الديمقراطيات الأكثر استقرارا في القارة. وقد لوحظ فعلاً تدخل إسرائيلي قوي قبل انتخابات العام 2014 في بوتسوانا، حيث أقام العشرات من المستشارين الإسرائيليين المرتبطين بالموساد “خلية حرب” لفائدة الحزب الحاكم.
    كما استُعمل برنامج “بيغاسوس” للتجسس على الصحفيين وشخصيات سياسية أخرى قبل الانتخابات في غانا في العام 2016. وكشفت جريدة “ذي هيرالد” الغانية في العام 2020 عن تورط شخصيات استخباراتية إسرائيلية كانت تحاول التأثير على نتيجة الانتخابات الوطنية التي أجريت في ذلك العام.
    وتم تقديم تأكيدات مماثلة بشأن تورط خبراء المخابرات الإسرائيلية قبل موعد الانتخابات الرئاسية في مالاوي في العام 2020. وقبل ذلك، كانت القوائم الانتخابية والنظام الانتخابي في زيمبابوي وزامبيا هي الأخرى في يد شركة إسرائيلية مرتبطة بالموساد. كما قامت مجموعات إسرائيلية بشن حملات تضليل إعلامي في إفريقيا. وفي سنة 2015، قبل الانتخابات في نيجيريا، اخترق خبراء إسرائيليون البريد الإلكتروني الشخصي لمرشح المعارضة آنذاك محمد بخاري. كما تم استخدام تلك المعلومات المسروقة خلال حملات تضليلية على تطبيقات “واتساب” و”فيسبوك” ضد بخاري.
    وبعد أربع سنوات من ذلك، بدت مجموعة أرخميدس -وهي مجموعة استشارية إسرائيلية كانت تتفاخر على موقعها الإلكتروني بأنها تستطيع “تغيير الواقع وفقا لرغبات زبائنها” والتأثير بشكل ملحوظ في الانتخابات الرئاسية في جميع أنحاء العالم- كأنها تدعم بخاري عندما فاز الأخير بالانتخابات في العام 2019. بل وظهرت منشورات على “فيسبوك” مدعومة من مجموعة أرخميدس تشيد ببخاري وتذم منافسه آنذاك، آتيكو أبو بكر.
    قامت شركة “فيسبوك” بعد ذلك بغلق المئات من الحسابات المزيفة على “انستغرام” و”فيسبوك”، التي كانت كلها تدار من طرف مجموعة أرخميدس انطلاقا من إسرائيل. وكان هدف الشركة التلاعب بالانتخابات -ليس في نيجيريا فحسب، بل أيضا في السنغال وتوغو وأنغولا والنيجر وتونس. وقد عملت تلك الحسابات على تداول معلومات متعلقة بالانتخابات، ونشر انتقادات تستهدف بعض السياسيين، منتحلة صفة وسائل إعلام محلية.
    لا يتعلق الأمر إذن بشركات خاصة تمارس نشاطا تجاريا في إفريقيا. بل يتعين على الشركات الإسرائيلية المتخصصة في الأسلحة وتكنولوجيات التجسس الحصول على تراخيص تصدير من وزارة الدفاع الإسرائيلية. وبالتالي، تتمتع الحكومة الإسرائيلية بوسيلة نفوذ أساسية، وهي تجعل من هذه الشركات امتدادا لسياستها الخارجية. وقد صرح أحد مساعدي رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو: “بما أن وزارة دفاعنا تتحكم في تداول هذه الأنظمة، سنكون قادرين على استغلالها وجني فوائد دبلوماسية منها”.
    تعتمد إسرائيل بقوة على العديد من الشركات الإسرائيلية الخاصة ورجال الأعمال والمستشارين والوسطاء الذين يستفيدون من دخولهم إلى كواليس السلطة في القارة لخدمة مصالح الدولة الإسرائيلية. وقد أصبحت “دبلوماسية الوسطاء” الإسرائيلية تحرز تقدماً كبيراً حقاً في إفريقيا.
    دبلوماسية دفتر الصكوك
    باسم التنمية والأمن الغذائي، تَعد إسرائيل إفريقيا بتزويدها بتقنيات الزراعة والمياه. غير أنها لن تسهم في محاربة الفقر في إفريقيا إلا إذا كان ذلك يتناسب مع مصالحها السياسية. وعندما قدمت السنغال في العام 2016 قرار الأمم المتحدة رقم 2334 الذي أكد مجددا عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية، ردت إسرائيل بإلغاء جميع برامج المساعدة التي كانت موجهة لهذا البلد، على الرغم من أن وزارة الخارجية الإسرائيلية كانت قد روجت لها على نطاق واسع، واصفة إياها بأنها جزء من مساهمة إسرائيل في محاربة الفقر في إفريقيا.
    إن مساعدات إسرائيل للدول الإفريقية، سواء كانت زراعية أو عسكرية أو من خلال تقنيات المراقبة، ليست خيرية. فهي تتطلب مقابلا دبلوماسيا في إطار الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي. ويبدو الأمر وكأنها عملية مقايضة متعالية، بل إنها دبلوماسية دفتر الصكوك. هذه هي حقيقة المشروع الصهيوني في إفريقيا.
    هكذا عمي بصر إفريقيا بوعود إسرائيل في مجال الأسلحة وبرامج التجسس والمساعدات، وهي التي كانت في السابق معقلا للتضامن مع الفلسطينيين، لدرجة أنه تم استضافة دولة الفصل العنصري في الاتحاد الإفريقي. علينا أن نفكر بعمق في كيفية تغلغل الدبلوماسية الموازية لدولة الفصل العنصري الإسرائيلي في النفس الإفريقية. كما يترتب علينا أن نصد جهود إسرائيل لاستمالة إفريقيا. وإن لم نفعل ذلك، فسوف نواصل التواطؤ في إراقة الدماء في أفريقيا وفلسطين على حد سواء.
  • زويليفليل مانديلا: نائب عن حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في برلمان جنوب إفريقيا، وحفيد نيلسون مانديلا.
    هامش:
    (1) وفقا للعديد من نصوص القانون الدولي، يعد الفصل العنصري جريمة ضد الإنسانية، تتعلق بسيطرة مجموعة على أخرى. وتستعمله لوصف الوضع في فلسطين منظمات غير حكومية إسرائيلية تعمل في الدفاع عن حقوق الإنسان، وكذلك منظمات دولية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية”.
    *نشرت النسخة الأصلية من هذا المقال في 20 نيسان (أبريل) 2022 في صحيفة “مايل أند غارديان” الجنوب إفريقية. وترجمه من الفرنسية حميد العربي.
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock