حياتنافنون

“بالصدفة”.. التوحد وقضايا إنسانية يغلفها القهر والوجع

إسراء الردايدة

عمان- يلعب الفن دورا كبيرا في نشر التوعية في قضايا مختلفة، ومرض “التوحد” واحدة منها، وتطرقت لها السينما العالمية بأعمال كثيرة منها “اسمي خان”، “اكس واي”، و”رين مان”، “ذا اكاونتنت”، غير أن تلك القضايا كان حضورها خافتا نوعا ما في السينما العربية، ليأتي الفيلم اللبناني “بالصدفة” للمخرج باسم كريستو، ليحمل قيمة كبيرة ويقدم جوانب توعوية مهمة.
وانطلقت العروض في دور السينما، بحضور الفنانة كارول سماحة التي تشارك في الفيلم، وبتنظيم من جمعية أوتيزم مينا، لذوي التوحد وبرعاية الأمير مرعد بن رعد، وبالتعاون مع “مزاج اف ام”، حيث اكتظت قاعات تاج سينما بداعمين كثر من أجل إلقاء الضوء على ما يعانيه المصابون بالتوحد في المنطقة والحاجة لنشر وعي أكبر بحالاتهم والتعامل معهم.
“بالصدفة” يعد أول تجربة سينمائية لكريستو، يدور حول رجل أعمال ناجح تنقلب حياته رأسا على عقب حين تسرق حقيبته من قبل مراهق، ويقرر اللحاق به حتى يصل لحي فقير، يكون سببا في انعطاف حاد لمسار حياته.
فيما شارك في كتابة الفيلم كلوديا مرشليان، وبطولة بديع أبو شقرا، منير معاصري، باميلا الكك، كارول سماحة، سامي كوجان وآخرون.
أحداث عديدة تتقاطع في الفيلم؛ حيث القصص الفرعية هي المؤثرة والجاذب الأكبر من الرئيسية، فأحداث السرقة التي تتم وسط السوليدير تلف في بيروت من مدخليها الشرقي والجنوبي، والسارق فتاة متنكرة، تعيش في عالم صعب تسعى لتحقيق أحلامها والارتباط بمن تحب.
ويطارد أبوشقرا اللص على دراجة هوائية، ويظهر لاحقا أنها فتاة، وللأخيرة حكاية اجتماعية قادتها الى احتراف السرقة، التي رأت فيها وسيلة لادخار المال، والارتباط بفتى أحلامها.
وتتقاطع طرق شخوص الفيلم الذين يلتقون في هذه الصدفة؛ حيث تظهر الفوارق الاجتماعية والفكرية بين الجميع، فهنالك عائلات تعيش تحت التعنيف ونساء مهمشات، وأسر تبحث عن أمل لإنجاب طفل، وهنالك أيضا الفتاة المصابة بالتوحد التي تعيش وحيدة مع جدها.
كل تلك التفاصيل تكشفها كاميرات مراقبة في ذلك الحي الفقير؛ حيث تغدو الحياة صعبة حين يتخلى الفرد عن أحلامه بمجابهة واقع مر، ظروف اقتصادية متدهورة، مشاكل فردية وتقصير من السلطات وقضايا اجتماعية وإنسانية عديدة تتداخل فيما بينها.
قد لا يكون التوحد هو موضوع الفيلم الأساسي، ولكنه تطرق له بطريقة لا بأس بها، خاصة غياب دور مؤسسات المجتمع المحلي ووعي دور الرعاية الاجتماعية بمثل هذه القضايا فيترك المصابين به في موقف صعب.
كارول سماحة في المؤتمر الصحفي الذي سبق العرض، بينت أن سبب مشاركتها في الفيلم، جاء لدعم القضايا الإنسانية التي هي واجب كل إنسان، والفن دوره دعم هذه القضايا، وتسليط الضوء عليها.
وأشارت الى أن الأطفال المصابين بالتوحد هم نعمة من الله ومميزون وقادرون على أن يكونوا عباقرة في المستقبل، وهم يواجهون بدايات صعبة في مرحلة الطفولة التي تتطلب رعاية خاصة كي يكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع، ولكن المهم هو توفير هذه الرعاية والتعامل معهم على أنهم فاعلون وعدم التعامل على أنهم عالة ومرض.
ولفتت سماحة إلى أن العالم العربي لا يملك فكرة واضحة عن التوحد، وفي الفيلم هنالك “تغريد” التي تعاني من التوحد ولعبت دورها باميلا الكيك، التي ساءت حالتها نتيجة عدم خضوعها لأي رعاية وتأهيل.
وجسدت سماحة شخصية “فرح” التي قدمت الدعمين العاطفي والإنساني لتغريد، مبينة أن العاطفة والفهم والتقدير مهمة جدا لحالات المصابين بالتوحد.
وعن سبب قبولها الدور، بينت سماحة أن الفيلم قريب من الجميع، محمل برسائل إنسانية ويجمع بين الترفيه وتلك القضايا الاجتماعية، وفيلم “بالصدفة” يتناول المجتمعين اللبناني والعربي بوجود شخصيات حقيقية ذات أوجاع ومشاكل وضغط تعيشه ومستوحى من الواقع.
وأضافت سماحة أن أكثر جزء صعب تعاملت معه هو التحضيرات، من خلال طبيعة اللباس؛ فشخصية فرح التي قدمتها، تطلبت ظهورها بشكل عادي، بلباس بسيط، بدون أي إضافات من الممكن أن تفسد حقيقة كونها امرأة مهمشة بفعل حياة قاسية، هادئة رغم الانفعالات التي كانت تعيشها هذه الحالة.
“في عينيا” حالة طفل مصاب بالتوحد
يعد “في عينيا” فيلما عربيا آخر من تونس كان قد تناول التوحد وأطيافه في سن مبكرة بخلاف الفيلم اللبناني “بالصدفة”، خاصة أنه يتطرق للرفض من قبل الآباء لهؤلاء الأطفال والذي قدمه المخرج التونسي نجيب بالقاضي.
الفيلم يوثق لرحلة أب يعيد بناء علاقته مع ابنه المصاب بالتوحد؛ إذ بنى بالقاضي فيلمه على أبحاث ودراسة قام بها، متناولا الآباء الذين يتنصلون من مسؤولياتهم إما بالهرب أو الطلاق.
الأب “لطفي” جسد دوره الممثل نضال السعدي الذي يعيش في مرسيليا الفرنسية، وأسس حياة جديدة له برفقة زوجة فرنسية، وهو بانتظار طفل آخر يجد نفسه مضطرا للعودة الى تونس للعيش مع ابنه الذي تركه قبل سبع سنوات والمصاب بالتوحد.
يجد هذا الأب نفسه أمام تحديات وتنازلات كبيرة أبرزها مرحلة إعادة بناء العلاقة مع ابنه، ليجد طرقا مختلفة للتواصل معه وبناء جسر يسهل عليه عيش حياة طبيعية مثل أقرانه.
ويغوص في دراما عائلية تعيد مشاعر الأبوة المفقودة، بعد العودة لطفل هجره بسبب مرضه، فيما يبقي حياته الأخرى سرية، خاصة بعد وفاة والدته وتخلي خالته عنه، ليغدو الفيلم رحلة تتبع التطور النفسي للبطل منذ اللحظة التي تطأ فيها قدماه وطنه الأصلي.
وفيما يتحدث الفيلم عن حقوق المصابين بالتوحد وأطيافه، وحركة نداء من أجلهم، فإنه يستعرض وسائل التعامل معهم مثل اللعب والتواصل لمساعدتهم على تأدية مهامهم اليومية، وفي الوقت نفسه هي رحلة نضوج للأب واستعادة وكسب لمشاريع الأبوة واستحقاقها بالتعب.
إلى ذلك، يركز الفيلم على الجانب العاطفي لتنمية مهارات الأبناء المصابين بالتوحد كبديل عن إيداعهم في مراكز خاصة وفصلهم عن أقرانهم لإشعارهم بأنهم طبيعيون، وتنمية تفاعلهم مع الآخرين، بعيدا عن إظهارهم بأنهم يعانون من “إعاقة”.
التحدي في العلاقة بين الأب وابنه يدخل في مستويين هما الثقة واكتسابها وبناء رابط الأب وابنه الطبيعي عبر توثيق هذا بكاميرا يستخدمها لطفي لتصوير كل اللحظات التي تجمعه بابنه يوسف، واكتشاف جوانب مختلفة في ذاته وفي صغيره.
أما يوسف، فهو ذلك الطفل الذي يختبر أحداثا صعبة منها وفاة والدته، وحساسيته كمصاب بالتوحد وطبيعة جدوله اليومي التي قلبت موازين عالمه.
وجوهر الفيلم ليس التوحد وأهميته فقط، بل عالم الطفل يوسف المصاب بالتوحد، وكيف يشعر حين تختفي والدته التي توفيت وهو غير قادر على التعبير، ويجد نفسه في حضن أب غريب لم يعرفه من قبل.
“في عينيا” يتعامل مع البعد الإنساني العائلي للتوحد، وليس معالجة لجانبه السريري، الى جانب تعامله مع العلاقات المحرمة خارج نطاق الزواج، والنظر للتوحد كمرض عقلي من قبل بعض القطاعات في المجتمع وعدم تقبلهم لمن يحمله، ما يكشف عن الفصام الاجتماعي من خلال ردود الفعل المتباينة.
وفي أجوائه التي لا تخلو من التناقضات والمفارقات الصعبة، يناقش موضوعا حساسا بطريقة ذكية ليقدم فيلما ذا شخصية، بدءا من اللقطة الأولى التي تحمل صورة لجنينين في فحص السونار، ليظهر ويحدد موضوعه، وهو الأبوة.

جانب من المؤتمر قبيل عرض الفيلم – (الغد)
الوسوم
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock