أفكار ومواقف

بانتظار الخطة الزراعية

في الأردن كان النشاط الزراعي عماد الاقتصاد والنشاط الاقتصادي الذي تعمل به غالبية الأسر والعائلات الممتدة في الأرياف والبوادي الأردنية. على امتداد الفضاء الأردني اعتمد الكثير من السكان على ناتج زراعة محاصيل القمح والشعير واعتموا بزراعة العدس والبقوليات وحولوا أجزاء من الأرض الملاصقة لبيوتهم إلى بساتين صغيرة تحوي مختلف أنواع الخضار الصيفية والفواكه التي تحتاج لها الأسرة دون إهمال تربية أعداد من الماشية التي تسد حاجاتها من الألبان واللحوم وبمستويات أضفت الصبغة الإنتاجية على الأرياف وأكسبت أهلها الاستقلالية والأمن بفضل الاعتماد على الذات وانتفاء الحاجة إلى الاستيراد.
الصورة الرومانسية للريف الأردني المنتج لم تعد موجودة إلا في ذاكرة الكهول فالكثير من سكان القرى والبلدات لا يعرفون مصادر غذائهم ولا يسهمون في إنتاج أي مما يستهلكون. حتى خدمات إعداد الخبز والبيع والشراء والعناية بالحيوانات لا يوجد من بين أهالي القرى من يقوم بها. في حالات كثيرة تجد بلديات المناطق الريفية صعوبة في إيجاد من يشغل وظائف التنظيف والصيانة مما يضطرها لاستخدام عناصر من العمالة الوافدة.
خلال الأعوام الأخيرة زاد استهلاك الأردن من القمح ليلامس حدود المليون طن سنويا في حين تحتاج المواشي إلى ما يقارب الـ 600 ألف طن من الشعير. من المؤسف أن الأردن الذي عرفت أراضيه بسلة غذاء روما واشتهرت سهول حوران ومادبا والكرك بإنتاج كميات كبيرة من الحبوب التي طالما وجدت الأسواق المجاورة صعوبة في استيعابها.
اليوم ومع تزايد السكان بمعدلات عالية وطفرات مفاجئة يستورد الأردن أكثر من 90 % من حاجاته من القمح وما يقارب الـ600 ألف طن من الشعير الذي تحتاج له الثروة الحيوانية. المحاولات التي أجريت لتنشيط وتشجيع الزراعة للمحاصيل الضرورية التي تعتمد عليها البلاد لم تسجل نجاحات تذكر فقد تحول مشروع زراعات الديسي من مشروع لدعم إنتاج السلع الغذائية الإستراتيجية لمشروع تجاري لإنتاج المنتجات والسلع الغذائية المطلوبة في الأسواق العالمية.
لم يكن أمام المزارع الأردني الذي واجه سنوات عجافا وعانى من الخسائر التي ترتبت على توالي الجفاف والقحط إلا أن يتوقف عن الزراعة ويبحث عن وظيفة خدمية أو أمنية توفر له الحدود الدنيا من الدخل الذي يلبي الحاجات الأساسية لأسرته.
حتى في الأغوار والمناطق التي لا تزال صالحة للزراعة عمد الكثير من الملاك والمزارعين إلى تضمين مزارعهم إلى زمر العمال العرب والآسيويين الذين أصبحوا يديرون أكثر من نصف وحدات زراعة الخضار المروية وبيارات الحمضيات ومزارع الدواجن التي توقف أصحابها عن إدارتها.
خلال الأسابيع القليلة الماضية تحدث جلالة الملك عن الزراعة وأهمية الاهتمام بالزراعات النوعية واستغلال الأراضي الصالحة للزراعة. بعد ذلك بأيام أعاد دولة رئيس الوزراء الحديث عن أهمية الزراعة وأثنى على دور القطاع الذي تمكن من سد حاجات الناس من المنتجات الضرورية إبّان الأزمة.
البيانات المتداولة تشير إلى وجود ما يزيد على 9 ملايين من الدونمات الصالحة للزراعة. هذه الأراضي تمتد عبر المحافظات. الكثير من الأراضي التي أشارت إليها البيانات صالحة لزراعة الأشجار المثمرة والمحاصيل التي نستوردها وتكلف الخزينة مئات الملايين.
من غير الممكن إحداث نهضة زراعية بلا بحث علمي وتجارب زراعية تهتم بتطوير البذور وتصنيع الأسمدة وحفظ وتخزين المياه واشتقاق وصياغة أنظمة فعالة للري وإيجاد سلالات مناسبة ومنتجة من المواشي والطيور وتوجيه الجامعات والمعاهد التقنية والصناعات الوطنية لإنتاج تقنيات مناسبة ومتطورة للأعمال الزراعية والتصنيع الغذائي وتبني الدولة لأنماط زراعية يعتمدها المزارعون في محافظات ومناطق المملكة.
المجلس الأعلى للزراعة بحاجة إلى تفعيل بعد أن تعطل عمله لسنوات وفقدان الدولة لزمام المبادرة والتخلي عن المبادرات الزراعية لحساب التجارة والأنشطة الاقتصادية الأخرى لا يسهم في تحقيق الاستقلال والحماية الاجتماعية وبناء الناتج القومي.
يأمل الأردنيون أن يأتي اليوم الذي نحدثه فيه عن الأمن الغذائي استنادا إلى كميات الإنتاج وليس إلى صفقات الاستيراد التي نذكر بعددها عند كل مرة يثار فيها السؤال حول جاهزيتنا لمواجهة الأزمات وحثّ الناس على وقف التهافت على الشراء والتخزين.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock