ترجمات

بايدن وخطة إعادة التوازن الضريبي العظمى

دارون عاصم أوغلو*

بوسطن – تصدرت خطط الإنفاق التي أقرها الرئيس الأميركي جو بايدن عناوين الصحف، وهي صدارة مستحقة. فقد تعيد حزمة الإغاثة وخطة البنية الأساسية اللتان قدمتهما الإدارة تشكيل دولة الرفاهة في الولايات المتحدة من خلال تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي وزيادة الإنفاق على وسائل النقل، واتصالات النطاق العريض، والتعليم.
لكن في ظل احتمال بقاء الإنفاق الحكومي مرتفعا بعد جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد 19)، تصبح زيادة الإيرادات الضريبية واجبة، لأن الاقتراض الإضافي غير قادر على تمويل المزيد من الإنفاق. ومن ثـمَّ، اقترحت إدارة بايدن خطة ضرائب صُـنِـع في أميركا، الشاملة بذات القدر، والتي من شأنها أن تعمل على زيادة حصة الشركات في الإيرادات الضريبية.
الواقع أن زيادة المعدل الضريبي المفروض على الشركات هو الخيار الأفضل. في العقد الأول بعد الحرب العالمية الثانية، شكلت الضرائب على الدخول الفردية وإيصالات التأمين نحو 50 % من عائدات الضرائب الفيدرالية، في حين شكلت ضرائب الشركات
30 % أخرى. لكن منذ ذلك الحين، ازدادت الفئة الأولى بشكل مضطرد، لتصل إلى نحو 85 % من إجمالي عائدات الضرائب الفيدرالية، بينما انخفضت حصة الشركات إلى ما دون 10 %.
علاوة على ذلك، لم تكن أرباح الشركات في الولايات المتحدة أعلى في أي وقت مضى مما هي عليه الآن، في حين انحدرت حصة الدخل الوطني المستحقة للعمالة من نحو 66 % إلى 58 %، مما يشير إلى أن العمال كانوا يدفعون حصة متزايدة الضخامة من إجمالي الضرائب حتى برغم أنهم كانوا يحصلون على حصة متزايدة التناقص من الكعكة الاقتصادية. وتجد أبحاثي الخاصة اختلالات مرتفعة على نحو مماثل في معدلات الضريبة الهامشية الفعالة المفروضة على العمالة (أكثر من 25 %) وعلى الاستثمارات الرأسمالية كتلك في البرمجيات والمعدات (5 %).
هذه المعدلات الهامشية هي التي توجه قرارات الاستثمار في الشركات. وفي ظل البنية الضريبية الحالية في الولايات المتحدة، تحظى الشركات بحوافز أقوى كثيرا تدفعها إلى ملاحقة الأتمتة المفرطة بدلا من توظيف العمال وتدريبهم وإعطائهم الأجر اللائق. لكن الأتمتة ليست المسار التكنولوجي الوحيد المتاح للشركات في الولايات المتحدة. وفي ظل حوافز مختلفة، قد تستثمر بدلا من ذلك في تكنولوجيات مصممة لجعل العمال أكثر إنتاجية. مع وضع كل شيء في الحسبان، نجد أن اختلالات التوازن العميقة التي تعيب البنية الضريبية الحالية تكلف الاقتصاد الأميركي ليس فقط في ما يتصل بتشغيل العمالة، بل وأيضا في تناقص الكفاءة الإنتاجية والنمو.
في حين خفض مشروع قانون الضرائب الذي أقرته إدارة ترمب في العام 2017 معدل ضريبة الشركات من 35 % إلى 21 %، فإن حصة الشركات في إجمالي الإيرادات الضريبية كانت في انحدار طوال نصف قرن من الزمن. تحولت شركات عديدة إلى شراكات خاصة أو شركات ذات مسؤولية محدودة (S-Corporations)، وهي معفاة من الضرائب على دخل الشركات. وكانت علاوات الإهلاك من العوامل المساهمة الرئيسية الأخرى في هذا الاتجاه، فقد عملت على تمكين الشركات من خصم نفقات الاستثمار من دخلها الخاضع للضريبة.
لذا، يُـعَـد وعد بايدن بزيادة معدل ضريبة الشركات الرئيسي من
21 % إلى 28 % خطوة مهمة، لكنها غير كافية في حد ذاتها. فهل لن تضمن تكافؤ الفرص بين رأس المال والعمالة، ولن تمنع الشركات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها من الانخراط في “انقلابات ضريبية” للفرار إلى سلطات اختصاص أخرى أو من تحويل أرباحها إلى شركات تابعة أجنبية. كانت أرباح الشركات الطليقة عاملا رئيسيا في التخفيض الطويل الأجل لمعدلات الضريبة على رأس المال والشركات، وسوف تظل الشركات المتعددة الجنسيات تملك مجموعة كاملة من الحيل لتقليل أرباحها المسجلة في الولايات المتحدة، مثل المعاملات المالية الداخلية لزيادة التزامات ديونها في الولايات المتحدة واستخدام الشركات التابعة الأجنبية لزيادة تكلفة فروعها في الولايات المتحدة (تسعير التحويل).
لحسن الحظ، تتضمن خطة بايدن ركيزة ثانية لمعالجة هذه المشكلة على وجه التحديد: الحد الأدنى لضريبة شركات عالمية.
الواقع أن هذه الفكرة بسيطة نظريا. في ظل ظروف مثالية، تُـرفَـع معدلات الضريبة بشكل كبير في أيرلندا، ولوكسمبورج، وسويسرا، وبنما، وجزر فيرجن البريطانية، وغير ذلك من الولايات القضائية التي تسمح للشركات بالتهرب من التزاماتها من خلال “المراجحة”. إذا لم يكن الأمر كذلك، فإن الشركة التي يقع مقرها في الولايات المتحدة وتخضع لمعدل الحد الأدنى لضريبة الشركات (21 %) والتي تُـبـلِـغ عن جميع أرباحها في أيرلندا حيث معدل الضريبة على الشركات 12.5 %، سيفرض عليها ضريبة أميركية إضافية تعادل 8.5 % من أرباحها.
بطبيعة الحال، سيكون تنفيذ هذه السياسة أشد تعقيدا في الممارسة العملية. فقد أصبحت الولايات القضائية حيث الضرائب منخفضة تعتمد بشكل كبير على الشركات الدولية المتهربة من الضرائب حتى أنها رفضت التنسيق. وفي مواجهة معدل الحد الأدنى لضريبة عالمية في الولايات المتحدة، ربما تستسلم بعض الشركات لإغراء نقل مقارها إلى مثل هذه البلدان (ولهذا السبب تتضمن خطة بايدن الضريبية أيضا بنود لمنع هروب الشركات المراوغة). وإذا رفضت بعض الملاذات الضريبية سيئة السمعة التعاون، فسوف يفشل أي إطار دولي جديد.
هنا يأتي دور القيادة الأميركية. تتمتع الولايات المتحدة بقوة مالية هائلة، ليس فقط باعتبارها الدولة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، بل وأيضا باعتبارها المقر التنظيمي للصناعة المالية العالمية. وإذا قاد صناع السياسات الأميركية بالقدر الكافي من الإقناع، فسوف تضطر دول أخرى إلى اتباع خطاها. تحتوي خطة بايدن الضريبية بالفعل على بنود تقضي بمنع الانقلاب الضريبي وتتضمن مقترحات للحد من التخفيضات الضريبية لصالح الشركات المتعددة الجنسيات المنخرطة في المراجحة الضريبية. ومن الممكن أن تتخذ الولايات المتحدة أيضا إجراءات قانونية ضد المؤسسات المالية الأجنبية المنخرطة في الاحتيال الضريبي والابتداع التنظيمي، كما يمكنها العمل مع أطراف متعددة لجلب قدر أعظم من التنسيق والمواءمة إلى الضرائب الدولية على دخول الشركات.
إذا جرى تطبيق الحد الأدنى لمعدل الضريبة العالمي بشكل كامل فإن هذا من شأنه أن يحدث ثورة في ضرائب رأس المال الدولية. ولكن حتى هذا لن يحل مشاكل أميركا المالية. فلعكس اتجاه الخفض غير العادل وغير الفعال للعبء الضريبي على الشركات، يتعين على إدارة بايدن أن تعمل أيضا على إنهاء علاوات الإهلاك المفرطة السخاء وأن تعمل على توسيع القاعدة الضريبية، حتى لا تتمكن الشركات من تجنب الضرائب بمجرد تغيير وضعها القانوني.
يجب أن تكون الضرائب الأكبر على الشركات مصحوبة بتدابير أخرى لتشجيع الاستثمار والابتكار. بالإضافة إلى دعم البحث والتطوير، تستطيع الدولة أن تفعل المزيد للمساعدة في زيادة المعروض من المهندسين المدربين جيدا، والعلماء، والعمال المهرة، وتسهيل نشر المعرفة والدراية التكنولوجية.
في وجود ساحة لعب أكثر تكافؤا بين رأس المال والعمالة، يصبح من الممكن حث الشركات على تطوير واعتماد تكنولوجيات جديدة تعمل على زيادة إنتاجية العامل، بدلا من الاستمرار في اتجاه الأتمتة المفرطة الذي شكل هيئة الاقتصاد الأميركي على مدار العقدين الماضيين. وسوف يكون العمل لإنهاء هيمنة قِـلة من الشركات في قطاع التكنولوجيا جزءا لا يتجزأ من هذا الجهد.
لن يحل النظام الضريبي الأكثر عدلا كل مشاكل أميركا الاقتصادية بمفرده. لكنه سيشكل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، وسوف يساعد العمال والاقتصاد في حين يعمل أيضا على منع الارتفاع المقلق في مستويات الديون الفيدرالية.

ترجمة: مايسة كامل Translated by: Maysa Kamel
*دارون عاصم أوغلو أستاذ الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والمؤلف المشارك (مع جيمس روبنسون) لكتاب “لماذا تفشل الأمم: أصل القوة والرخاء والفقر”، وكتاب “الممر الضيق: الدول والمجتمعات ومصير الحرية”.
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2021.
www.project-syndicate.org

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock