أفكار ومواقف

“بحب السّيما”!

 


قالت لي: البنت تريد أن تتعلم موسيقى!


ابتهجتُ، فرحتُ، شعرتُ للحظة أن شيئاً ما مما خططتُ له وأحلمُ به سيحدث.


نظرت هي لي بعينين يتطاير منهما الفزع كأنما رأت طائرا سيخطف ابنتها عن كتف قميصها، وبحلقت متسائلة من دون كلام!


قلت لها بهدوء: الحياة فن… يجب أن يكون للبنت عقل وقلب، وروح تستمتع برائحة القهوة ولون الحرير وطعم الموسيقى، الحياة ليست مجرد بكالوريوس جغرافيا!


بالنسبة لي أفضل ألف مرة أن يكون ابني أو ابنتي، بمعدل دراسي في السبعينيات وتكون لديه هواية أو موهبة، على أن يكون الأول على المملكة في التوجيهي، لكن عقله جامد ومعلوماته تلقينية ودماغه معطل !


لا أحب هؤلاء السُذّج الذين يتخرجون بمعدلات عالية، وتخصصات علمية مهمة، لكنهم لا يسمعون الموسيقى، ولا يعرفون شاعراً واحداً، ولم يحضروا فيلم سينما، أو يحاولوا كتابة قصيدة، أو أن يخلطوا علبة ألوان ليرسموا لوحة!


الحياة ليست درس رياضيات، و(واحد زائد واحد) ليسا بالضرورة، وليسا في كل الأوقات، اثنين!


الحياة مليئة بالدهشات الصغيرة والكبيرة، والذي يمر فيها من دون أن يشرب دهشاتها، وتلتمع عيناه افتتاناً بألعابها، هو مثل من يمر بغابة خضراء فاتنة بسيارته، فلا يتكبد عناء أن يشهق انبهاراً، وأن يصفّق إعجاباً للون الوردة!


ليس أكثر سذاجة من طفل يعتقد أن مهمة السماء فقط ملء المزاريب بالماء شتاء!


هل سأل أستاذه عن مهمة هذه القماشة الزرقاء العظيمة في الصيف؟ وهل صفن أستاذه في السؤال، أم أرسله ليشتري له علبة سجائر، أو ليلمّ الحصى من ملعب الرياضة!


من الأكيد أنها لا تظل عاطلة عن العمل صيفاً، لكن الإجابة ليست واحدة، وهنا مهمة تنشيط مخيلة الطلاب عند المعلمين!


الفن والإبداع ليسا أقل أهمية من دروس الكيمياء، والحياة لا تستمر بالعلماء وأساتذة الأحياء وحدهم، فلاعبو التنس ومخرجو السينما وعازفو البيانو والرسامون وراقصات الباليه ومغنيات الأوبرا … بل حتى مغنيات الأعراس كلهم ضروريون لتستمر الحياة!


الطقوس أيضاً جميلة، ومهمة في الحياة… أنا لا أفهم الناس الذين بلا طقوس شخصية، بلا عادات، بلا تفاصيل، لا يهتمون بألوان الأزرار، ولا خشب المقاعد، ويرضون بأي سائل ساخن أحمر فلا يتوقفون عند نوع الشاي!


الحياة في التفاصيل، في الأحاسيس، في الذائقة، في معنى أن تهز رأسك حزناً أو فرحاً أو طرباً لمقطع من أغنية قديمة، أو أن تنفعل برائحة الياسمين تهب من شارع عتيق على الدوار الأول!


الحياة أن تجد شيئاً تصنعه في وقتك إن ضاع أو انسرق أو اختفى من السوق كتاب الكيمياء!


أو أن تكون طبيباً وتغني في سهرتك مع أصحابك وتعزف على العود !!


أو أن تكوني ربة بيت مخلصة وأماً طيبة وابنة صالحة ثم تختلي بنفسك وبألوانك في الليل، وفي وقتك الشخصي لترسمي تماماً كما فعلت ليلى علوي في فيلم “بحب السيما!”


ما الذي يمنع؟ لتتعلم البنت موسيقى!


وأنا سأغني!

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. كل التحية
    احبك يا رجل واحب ما تكتب وصداقتي قديمة بك وبابداعك مع اني لم التقيك ابدا ذات مصعد!ولم اتنازع معك على دفع الحساب ذات مقهى!ولم اتهرب من اعادة كتاب استعرته منك .دمت كاتبا و صديقا.

  2. مقال قديم
    هذا المقال للكاتب إبراهيم جابر قرأته في إحدى المجلات الاجتماعية منذ شهور طويلة، ولا أذكر اسم المجلة في الحقيقة لأنني تصفحتها في عيادة طبيب!ولكن لماذا التكرار! هل انتهت الأفكار أم أن الكاتب زهقان ومش جاي عباله يكتب شي جديد هاها

  3. حتى حبيبتك التي لم تعد بمتناول عينيك هي جزء مهم لاستمرار هذه الحياة
    لا تكتمل حياتنا بدون تلك التفاصيل و بدون تلك اللحظات التي نقترف فيها أشياءاً نشعر و نحن نمارسها بأننا أطفال. أنا أعشق الموسيقى ، حتى و أنا أعمل في مكتبي أستمع للموسيقى…..فالموسيقى بالنسبة لي كفيلة بإحضار أناس أحبهم لجانبي حتى لو كانوا على بعد آلاف الأميال عني ، و هي تشعل ذكرياتي و تحول التعيس منها إلى سعيد حلو المذاق حتى لو كان مراً….أحب في كثير من الأحيان أن أخرج من كوني "إنسان محترم" لأصبح غجرياً ، أريد أن أرقص على أغاني ال Gipsy Kings بلا قيود و بلا مقدمات.
    فكما ذكر في المقال أن الفن والإبداع ليسا أقل أهمية من دروس الكيمياء ، فما الذي يمنع مهندسة كيماوية مثلاً أن ترقص على أنغام "ألف ليلة و ليلة"؟ ألا يحرر الرقص بعضاً من قيودنا؟
    نحن نحتاج إلى جميع ما خلقه الله لتكون الحياة كاملة…حتى حبيبتك التي لم تعد بمتناول عينيك هي جزء مهم لاستمرار هذه الحياة.

  4. تذكرت أيام الجامعة
    اسعد الله صباحك اخي ابراهيم… مقال جميل و ملاحظة مهمة و انا اضم صوتي الى صوتك .. و الملاحظ لهؤلاء الطلبة(اصحاب المعدلات العالية)… محدودية تفكيرهم و انطواؤهم على انفسهم بحيث اراهم تكاد علاقاتهم الاجتماعية محدودة… حتى انهم ليسوا عناصر فاعلة في هذا المجتمع…

  5. إلى سهاد غزال
    بالنسبة لمحبيه ، كل حرف يكتبه الرائع إبراهيم جابر إبراهيم يوازي ألف كلمة و كلما قرأنا نفس المقال أكثر اكتشفنا فيه معان أعمق…فلا بأس من تكرار الإستمتاع بكل ما هو جميل ، و لا أعتقد أن أحداً يمل من عبير الورد.
    صباحك ورد.

  6. اجابة للقارئة سهاد غزال مع الاحترام
    جميل ما تكتبه يا ابراهيم و يكون أجمل لو تمكنا من تلقفه صباحا قبل أن تبتلعنا ماديات الحياة النهمة .. كلماتك تعيد التوازن الى وجدانينا و تشذب حواف الغضب الذي يسهل عليه التملك منا .. لكن شذرات الامل الطرية السهلة الملونة التي تصبحنا بها تقدر علينا أكثر .. فنهدأ و نهدأ أكثر .. و اسمح لي من فضلك أن أجيب الأخت سهاد غزال بالنسبة للموضوع المكرر .. سيدتي الفاضلة .. الكاتب أحيانا يحزن على دعواته المنمقة و المكتوبة بشكل جيد , تحديدا تلك التي تخرج من وجدانه الخالص و تجربته الخاصة .. يحزن على مقاله حين لا يأخذ نصيبه في النشر و الانتشار .. و هذا حقه الطبيعي , تخيلي أننا كنا سنحرم من دعوته للتحرر الفني و الفكري و الانساني هذا النهار لتظل حبيسة مجلة لا تذكرين أنت ما اسمها و صادفتك في عيادة طبيب !!
    الأدباء الكبار تنتج أعمالهم و تعاد و تكرر أكثر من مرة .. و في كل مرة يكون الطعم مختلفا .. لا تنكري أن طعم الكلمات على موقع و صفحات الغد أجمل .. نحن القراء نعرف ذلك .. و الكاتب ابراهيم لمس ذلك أيضا .. و كما قال لك في مقاله اليوم .. ليس كل واحد زائد واحد يكون ناتجه اثنين !! و أنا سأصحح كلمة واحدة بعد اذن الاستاذ ابراهيم .. ليس (أي ) واحد زائد واحد يساوي اثنين !!

  7. بحب الحياة
    استاذ ابراهيم جابر بصراحة لا اعرف كيف تجد الكلمات المناسبة لتملأنا بالتفاؤل و الأمل و حب الحياة و النظر اليها بطريقة جديدة و مبتكرة .. يعطيك العافية على المقال الرائع

  8. إلى الكاتب مع التحية
    أختلف معك يا عزيزي وأرى أن العلم والعمل أهم ألف مرة من الغناء والرقص والموسيقى التي تتغنى بها..الرقص لا يصنع حضارة والغناء لا يبني مجدا

  9. مقال أكثر من رائع بس أنا و الله زعلان!!
    أسعد الله أوقاتك الجميلة أخي العزيز إبراهيم

    حقيقة مقالك أكثر من رائع و أرجو أن تصل كلماته إلى كل الأهالي و الذين لديهم أطفال ليسمعوا و يعوا أن الخيارات في الحياة عديدة و ليست محدودة في الطب و الهندسة فقط!

    لا شك أن المجتمع بحاجة ماسة إلى الذين عقولهم "قفل" على الدراسة و القراءة! نعم, نحن بحاجة إلى علماء فيزياء و علماء كيمياء و غيرهم من العلماء لأننا ببساطة متأخرين و متخلفين عن الدرب الصحيح, و لكن هذا لا يمنع أن يكون هؤلاء الناس على تواصل مع أمور حياتية أخرى تجعل للحياة طعمآ آخر و سأذكر لك من تجربتي في الحياة مثالآ!

    طبعآ على قولك أنا كنت في المدرسة لا أعرف إلا الكتب و الدراسة و حصلت ما حصلت عليه في الثانوية العامة و كنت من الأوائل ال 60 على الكويت! و بعدها درست الطب في إربد و هناك أيضآ لا يوجد مجال إلا أن تدرس 24 ساعة لأن دراسة الطب لا رحمة فيها!! تركت كرة القدم التي أحبها و أعشقها من أجل الطب!! ثم بعدها غادرت إلى الولايات المتحدة للتخصص و إذا بالأمور تزداد سوءآ!! فلا وقت حتى للأكل أو الشرب! يا دوب شغل و نوم فقط!! العمل المتواصل لمدة 48 ساعة هذا عادي!! و حين تخصصت بالقلب للأطفال الأمور خرجت عن الطبيعي!! فاصبحنا ننام أحيانآ يومين أو ثلاثة في المستشفى, و أبو زيد خالك إذا نمت 3 ساعات متواصلة!! يعني شغل حراثين!! لا وقت لأي نشاط في هذه الحياة على الإطلاق!! و لكن بعد الإنتهاء من كل هذه الأمور بدأت أشعر بأن الحياة مليئة بالعديد و العديد من الأمور التي لم يتسن لي أن أستمتع بها. أصبحت الآن من رواد المعهد الوطني للموسيقى بإستمرار, و أركض الآن 10 كلم في ماراثون البحر الميت و لا أدع معرض للفنون الجميلة إلا و أزوره و لا حفل توقيع كتاب إلا و أذهب و أشارك في كل الأنشطة الرياضية مثل كرة السلة و الطائرة (لأن جمهورهم محترم!).

    و الآن جاء دور أولادي, فأنا أعارض و بشدة أن يتعلم بناتي طب! و حتى الأولاد أعارض إلا إذا أصروا! و كل أولادي الآن تعلموا في المعهد الوطني للموسيقى و يتعلموا البيانو. أولادي الآن يقرأوا كتب لم تكن تخطر على بالي أن أقرأها و أنا في سنهم….يعني أعطيناهم مجال ليروا أشياء جديدة…فمن يدري, قد يكون إبني هو جمال رونالدو المستقبل!! و نتنغنغ من وراء كرة القدم!!

    القصد أن المجتمعات يتغير تفكيرها بالتجربة و الإكتشاف و لكننا يا جماعة بحاجة إلى العقول القفل زي حالاتي و زي الكثير حتى نبدع كذلك في مجالات لا مكان فيها للتقصير لأن حياة المريض بين يدينا و لأن الطاقة النووية نحن بأمس الحاجة إليها و هذان الأمران و غيرهما طبعآ بحاجة إلى تكريس كامل لطاقات الإنسان لهذه الأمور و لا يوجد فيها أنصاف حلول

    مقال رائع مرة أخرى و لو أنك و الأخ بزور ضربتوا فينا شمال! و لكن لكم معزة خاصة فسماح!!

    تحياتي من عمان

  10. لطفا ……
    تحية للكاتب المرموق بكتاباته …
    اريد ان اوضح شيئا هاما :
    لكي يستمر اي انسان على وتيرة النجاح والمعايشة في هذه الدنيا المليئة ببحورها التي غرقتنا بعلومها المفيدة احيانا والمعلومات التي لا تغني ولا تسمن من جوع …
    يجب ان يكون لدينا قسطا وفيرا من المعلومات في كل مجال من المجالات : في الدين ، العلوم الانسانية، اللغات، عادات الشعوب ، وايضا الموسيقى المحللة ..
    ودمتم

  11. لو أن الأهل يفكرون مثلك
    تحية للكاتب المبدع ابراهيم جابر و للكاتبة حنان كامل الشيخ التي تعلق على مقالاتك و تدافع عنها و هي تعبر عن مكنوناتنا و الله . مقالك رائع رائع رائع و يا ليت الاهل يتصرفون مثلك و يحبون السيما و الموسيقى و الادب و الشعر و لكن عالم الأموال طغى على عالم الأفكار و المواهب و صار هم الأهل كيف يستمثمرون في تعليم أولادهم لأنهم يدركون أن الطب و الهندسة و الكمبيوتر هو جالب الحظ و المال .. للأسف هذه عقلياتنا العربية المتخلفة .

  12. التفاصيل
    الحياة تتسع للتفاصيل الصغيرة التي تضفي عليها نكة خاصة جدا كما هو مقالك يا أستاذ ابراهيم .. امتعنا اليوم كثيرا

  13. أهمية درس الرسم
    الأستاذ الكريم ابراهيم جابر المحترم .. ان درس الرسم احد دروس التربية الفنية التي يجد الاولاد فيه الحرية الاكبر عن باقي الدروس ويتيح لعقولهم الطرية القدرة على التأمل والاستبصار واكتشاف الطبيعة والموجودات ولذة تذوق الجمال واعادة خلق وتركيب الاشياء، وتدفع الطفل لان يتفاعل مع محيطه وليس عنصرا خاملا وسلبيا بينما ادارات المدارس تتعامل بدونية مع درس الرسم ولا تملك الوعي الكافي لادراك قيمة هذا الدرس ومن ثم هو درس زائد او ثانوي يشغل عادة في حملات التنظيف من قبل التلاميذ او تعطى هذه الحصة لدرس الرياضيات او الجغرافية وعادة ما يكون معلم درس الفنية من غير ذوي الاختصاص ولم يدرس الفن على نحو اكاديمي وهذا من شأنه ان يعطل ويقتل الكثير من مواهب الاطفال بدلا من تنميتها وصقلها.

  14. قتل المواهب
    أستاذ ابراهيم .. أنا أستاذ تربية وطنية و قد تعلمت في الجامعة بأن الذكاء العاطفي لدى الأطفال لايقل أهمية عن تربية الذكاء العقلي.
    وان العديد من الأفراد الموهوبين الذين يتمتعون بذكاء عال قد يفشلون في الحياة العملية إذا لم يمتلكوا الذكاء . العاطفي الذي يجعلهم أكثر قدرة على التعامل مع مشاعر الفشل في الإحباط والغضب والانفعال ، وأكثر قدرة على : التعاطف مع الآخرين ، وعلى استخدام المهارات الاجتماعية التي تجعلهم أكثر كفاية في حل المشكلات .
    فكلما كانت الفجوة في القدرات العقلية للطفل الموهوب كبيرة
    بينه وبين أفراد أسرته كان تأثير الطفل الموهوب أكبر سلبية عليها . لكن للأسف مدارسنا لا تطبق هذه النظرية بل بالعكس تمعن في قتل المواهب و صرف النظر عن فنون الحياة الأخرى التي أتيت على ذكرها في مقالك الأكثر من رائع .

  15. رااااااااااااائع
    رائع و أكثر من رائع ..أحاسيس انسانية راقية و دافئة و تمس شغاف القلب..

  16. لا أحب
    للكاتب الحق في رأيه, و له أن يعلق عن ما يحب و لا يحب، و لكني أحب الأشخاص الذين وصفتهم زورا و ظلما بالسذج أكثر مما أحب الكُتّاب الذين يخطئون في حق الأشخاص المختلفين عنهم.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock