;
ترجمات

بداية التاريخ‏: النجاة من عصر المخاطر الكارثية (2-2)

‏ترجمة: علاء الدين أبو زينة
‏‏‏ويليام ماكاسكيل*‏ – (فورين أفيرز) عدد‏ أيلول (سبتمبر)/ تشرين الأول (أكتوبر) 2022

الحكم في نهاية العالم

على الرغم من هذا المستوى المتزايد من المخاطر، فإنه ليس من المؤكد على الإطلاق أن البشرية ستكون قادرة على اتخاذ الخطوات اللازمة لحماية نفسها. في الواقع، هناك العديد من العقبات التي تحول دون التخفيف من المخاطر بما يكفي.

القضية الأكثر جوهرية مألوفة بشكل مؤلم: نضالات دبلوماسية ‏‏المناخ‏‏ في السنوات الأخيرة. عند حرق الوقود الأحفوري، تجني البلدان الفردية معظم الفوائد، لكن البلدان الأخرى والأجيال المقبلة ستتحمل معظم التكاليف.

وبالمثل، فإن الانخراط في إجراء البحوث البيولوجية المحفوفة بالمخاطر ينطوي على وعد اكتشاف أدوية تحصل على براءة اختراع، يمكن أن تعزز اقتصاد البلد وهيبته -لكن عاملاً مُمرِضاً يتم إطلاقه عن طريق الخطأ في ذلك البلد لن يحترم الحدود.

وبلغة خبراء الاقتصاد، فإن فرض مخاطرة على المستقبل هو تمكين لمؤثر خارجي سلبي، في حين أن توفير تدابير للحد من المخاطر، مثل إنشاء نظام للإنذار المبكر من الأمراض الجديدة، هو منفعة عامة عالمية.

(لنتأمل هنا كيف كان العالم بأسره ليستفيد لو تم احتواء ‏‏”كوفيد -19‏”‏، مثلما تم احتواء الـ”سارس” بين العامين 2002 و2004، بإبقائه ضمن عدد صغير من البلدان ثم القضاء عليه).

بداية التاريخ‏: النجاة من عصر المخاطر الكارثية‏ (2-1)

هذا هو بالضبط نوع الخير الذي لن توفره السوق ولا النظام الدولي بشكل افتراضي لأن لدى البلدان حوافز قوية للركوب المجاني على مساهمات الآخرين.

لدى البشرية عدد من السبل للهروب من هذه المأساة الهيكلية. لتهدئة المخاوف بشأن فقدان الأرضية في الكفاح من أجل الأمن، يمكن للبلدان أن تدخل في اتفاقات للامتناع جماعياً عن تطوير تقننيات بالغة الخطورة مثل الأسلحة البيولوجية.

وكبديل، يمكن لائتلاف من الراغبين أن يلتئم لتشكيل ما أسماه الاقتصادي ‏‏ويليام نوردهاوس‏‏ “‏‏نادياً‏‏”.

وسوف يساعد أعضاء نادٍ من هذا القبيل بشكل مشترك في توفير المنفعة العامة العالمية التي تم إنشاء النادي لتعزيزها.

وفي الوقت نفسه، يلتزم هؤلاء الأعضاء بتوفير الفوائد لبعضهم بعضا (مثل النمو الاقتصادي أو السلام)، مع فرض تكاليف (من خلال تدابير مثل التعريفات الجمركية) على غير الأعضاء، وبالتالي إغرائهم بالانضمام.

وعلى سبيل المثال، يمكن أن تستند مثل هذه النوادي إلى وضع معايير للسلامة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، أو الوقف الاختياري للبحوث البيولوجية المحفوفة بالمخاطر.

هناك طرق للهروب من المأساة الهيكلية‏

من المؤسف أن عودة ظهور المنافسة بين القوى العظمى تلقي بظلال من الشك على احتمال تحقق مثل هذه المآثر في التعاون العالمي.

والأسوأ من ذلك هو أن التوترات الجيوسياسية يمكن أن تجبر الدول على قبول مستوى متزايد من المخاطر على العالم -وعلى نفسها- إذا رأت في ذلك مقامرة تستحق خوضها لتعزيز مصالحها الأمنية.

(في السنوات الثماني التي أبقت خلالها ‏‏الولايات المتحدة‏‏ قاذفاتها في حالة تأهب جوي مستمر، تحطمت خمس طائرات بينما كانت تحمل حمولات نووية).

وإذا قام حتى برنامج الأسلحة البيولوجية في دولة واحدة بتجربة مسببات للأمراض من المستوى المتسبب بالانقراض -ربما في سياق سعي أحمق إلى تطوير الردع النهائي- فإن الحادث المخبري التالي يمكن أن يعجل بوباء عالمي أسوأ بكثير من “كوفيد -19″‏.

في أسوأ الأحوال، يمكن للقوى العظمى، في صراعها من أجل الهيمنة العالمية، أن تلجأ إلى الحرب الصريحة.

وبالنسبة للأشخاص الذين نشأوا في الغرب بعد ‏‏الحرب العالمية الثانية‏‏، قد تبدو هذه الفكرة بعيدة المنال.

وقد روج عالم النفس، ستيفن بينكر، للادعاء بأن العنف -بما في ذلك بين الدول- آخذ في الانخفاض منذ فترة طويلة.

ومع ذلك، فإن التحليل اللاحق الذي أجراه عالم السياسة بير برومولر وآخرون، عقَّد الصورة بشكل كبير.

اقترح الباحثون أن شدة الصراع يبدو أنها تتبع مما يعرف باسم “قانون القوة”، ما يعني أنه بعد فترة من السلام النسبي، من الممكن تماماً أن تعود الحرب في تجسد أكثر فتكًا.

وقد أشارت حسابات عالم الحاسوب، آرون كلاوزيت، إلى أن “السلام الطويل” الذي أعقب الحرب ‏‏العالمية الثانية‏‏ سيحتاج إلى الصمود لقرن آخر قبل أن يصبح دليلاً مهماً على انخفاض فعلي طويل الأجل لنزعة الحرب.

وأكد برومولر أنه “ليس من المستبعد على الإطلاق أن تنشب حرب أخرى تتجاوز الحربين العالميتين في الفتك أثناء حياتك”، مشيرًا إلى أنه في ختام كتابه حول هذا الموضوع “فكَّرتُ لوهلة في كتابة: ’كلنا سوف نموت‘، وترْك الأمور عند هذا الحد”. ‏
سوف يكون درء خطر نشوب حرب عالمية ثالثة مع تحقيق ابتكارات غير مسبوقة في الحوكمة الدولية مُرتقاً صعباً. لكن هذا، شئنا أم أبينا، هو التحدي الذي نواجهه.

الابتكار من أجل البقاء‏

يتمثل أحد الاستجابات لهذا التحدي المروع في التراجع. إذا كان من الصعب للغاية التحكم بأمان في التقنيات الناشئة، كما يجادل البعض، فلماذا لا نمتنع ببساطة عن اختراعها في المقام الأول؟

يعتنق أعضاء حركة “تراجع النمو” هذا الموقف على وجه التحديد، منتقدين النمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي باعتبارهما الجناة الرئيسيين وراء التغريب، وتدمير البيئة، وجميع أنواع الأضرار الأخرى.

وفي العام 2019، وقع 11 ألف عالِم من أكثر من 150 دولة رسالة مفتوحة يطالبون فيها بـ”العمل على استقرار سكان الكوكب، وفي الوضع المثالي خفضهم تدريجياً”، وبأن تقوم الدول بتحويل أولوياتها بعيدًا “عن نمو الناتج المحلي الإجمالي”. ‏

وعلى الرغم من جاذبيتها البديهية، فإن هذه الاستجابة تبقى غير واقعية وخطيرة.

إنها غير واقعية لأنها تفشل ببساطة في التعامل مع الاعتمادية المتبادلة للدول في النظام الدولي.

وحتى لو اجتمعت دول العالم مؤقتًا لوقف الابتكار، فإن أحداً ما سوف يستأنف، عاجلاً أم آجلاً، السعي وراء التكنولوجيا المتقدمة.

على البشرية تجنب مصير إيكاروس (1) -وإنما مواصلة الطيران

مهما يكن، فإن الركود التكنولوجي غير مرغوب فيه على أي حال. ولمعرفة السبب، لاحظ أن التقنيات الجديدة يمكن أن تؤدي إلى تفاقم المخاطر أو تقليلها على حد سواء.

بمجرد ظهور خطر تكنولوجي جديد -مثل ذلك الذي تشكله الأسلحة النووية- قد تحتاج الحكومات إلى تقنيات إضافية لإدارة هذا الخطر.

وعلى سبيل المثال، سوف يقل مستوى التهديد الذي تشكله ‏‏الأسلحة النووية‏‏ على بقاء الجنس البشري إلى حد كبير إذا تمكن الناس، خلال شتاء نووي محتمل، من إنتاج الغذاء من دون أشعة الشمس، أو إذا تمكنت نظم الإنذار المبكر من التمييز بشكل أكثر موثوقية بين الصواريخ البالستية العابرة للقارات والصواريخ العِلمية الصغيرة.

ولكن، إذا أوقفت المجتمعات التقدم التكنولوجي تمامًا، فقد تظهر تهديدات تقنية جديدة لا يمكن احتواؤها لأنه لم يتم قطع خطوات متناسبة في مجال الدفاع.

على سبيل المثال، قد تتمكن طائفة واسعة من الجهات الفاعلة من خلق مسببات أمراض خطيرة بشكل غير مسبوق في وقت لم يحرز فيه الناس تقدمًا كبيرًا في ‏‏الكشف المبكر عن‏‏ الأمراض الجديدة والقضاء عليها.

بعبارات أخرى، يبقى الوضع الراهن ملغّماً مسبقاً وبكثافة بالكوارث المحتملة.

وفي غياب التدابير الدفاعية، قد تؤدي التهديدات من الطبيعة في نهاية المطاف إلى انقراض البشر، كما فعلت مع العديد من الأنواع الأخرى: من أجل البقاء على قيد الحياة بكامل إمكاناتهم، سوف يحتاج البشر إلى تعلم اجتراح مآثر من نوع تحويل وجهة الكويكبات المتجهة إلى الأرض، ومكافحة ‏‏الأوبئة‏‏ الجديدة الناشئة بسرعة.

يجب عليهم تجنب مصير إيكاروس -لكنَّ عليهم أن يظلوا قادرين على الطيران. ‏

يتمثل التحدي الآن في مواصلة جني ثمار التقدم التكنولوجي بينما تتم حماية البشرية من سلبياته.

ويشير بعض الخبراء إلى هذا باسم “التطور التقني التفاضلي”، والفكرة هي أنه إذا لم يتمكن الناس من منع التكنولوجيا المدمرة أو الحوادث من الحدوث في المقام الأول، فيمكنهم على الأقل، بالبصيرة النافذة والتخطيط الدقيق، محاولة تطوير تقنيات مفيدة ووقائية أولاً.

إننا منخرطون فعلياً في لعبة ما أسماه ريتشارد دانزيغ، وزير البحرية الأميركي السابق، “الروليت التكنولوجي”.

ولم يتم إطلاق أي رصاصة حتى الآن، لكن هذا لا يغير من مدى خطورة اللعبة. ثمة العديد من اللفات الأخرى حيث يتم الضغط على الزناد في المستقبل: سيكون وقوع حادث سيئ، وربما قاتل، أمراً لا مفر منه ما لم يغير نوعنا اللعبة.

ما ندين به للمستقبل‏

ثمة، حتى الآن، عوز في العوامل التي تغير قواعد اللعبة. وبالنظر إلى ما هو على المحك، فإن المجتمعات لم تفعل حتى الآن سوى القليل بشكل فاضح لحماية مستقبلها.

ولنتأمل هنا، على سبيل المثال، “اتفاقية الأسلحة البيولوجية”، التي تحظر تطوير الأسلحة البيولوجية وتخزينها وحيازتها.

وقد وصفها خبير الأمن القومي، دانيال جيرشتاين بأنها “أهم معاهدة للحد من التسلح في القرن الحادي والعشرين”، لكنها تفتقر إلى آلية للتحقق، وميزانيتها تتضاءل أمام ميزانية “حفل ميت غالا” (2).

وكما لو أن هذا ليس مهزلة بما يكفي، تكافح اتفاقية الأسلحة البيولوجية لجمع حتى المساهمات الضئيلة المستحقّة لديها -أعرب تقرير صدر في العام 2018 عن رئيس الاتفاقية عن أسفه “للحالة غير المستقرة والمتدهورة للوضع المالي لاتفاقية الأسلحة البيولوجية… بسبب عدم سداد بعض الدول الأطراف الاشتراكات المقررة منذ أمد بعيد”.

كما أن إدارة المخاطر غير البيولوجية لا توحي بالثقة أيضًا. ما تزال البحوث التي تهدف إلى منع فقدان السيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي مجرد شذرة ضئيلة من ‏‏إجمالي بحوث تطوير الذكاء الاصطناعي‏‏.

وتستخدم الجيوش أسلحة فتاكة ذاتية التشغيل في ساحة المعركة، في حين توقفت الجهود المبذولة للحد من هذا النوع من أنظمة الأسلحة لسنوات في الأمم المتحدة.

ولا يبدو الوضع المحلي أفضل بكثير -ثمة أقل من واحد في المائة من ميزانية الدفاع الأميركية مخصص للدفاع البيولوجي، والتي يذهب معظمها إلى صد الأسلحة الكيميائية مثل الجمرة الخبيثة.

وحتى بعد ‏‏أن قتل “كوفيد -19″‏‏ واحدًا من كل 500 شخص في العالم وألحق أضرارًا اقتصادية هائلة تقدر قيمتها بنحو 16 تريليون دولار في الولايات المتحدة وحدها، لم يتمكن الكونغرس من التوافق على تخصيص مجرد 15 مليار دولار متواضعة لتعزيز الاستعداد للجوائح.

ما يزال هذا النوع من الحد من المخاطر مهملاً للغاية، حتى أن فرص التغيير الإيجابي وفيرة.

وإحدى قصص النجاح في التخفيف من المخاطر الوجودية هي برنامج “حارس الفضاء” Spaceguard التابع لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا).

بتكلفة أقل من 5 ملايين دولار سنويًا، بين إنشائه في العام 1998 والعام 2010، تعقب العلماء أكثر من 90 في المائة من الكويكبات المهدِّدة بالانقراض، في عملية تزيد من دقة توقعاتهم وتقلل من أفضل تقدير لخطر اصطدام كويكب بالأرض بعامل عشرة.

ولنلاحظ أيضاً أن الحكومة الأميركية أنفقت خلال ‏‏جائحة‏‏ “كوفيد -19” مبلغ 18 مليار دولار على عملية “السرعة الفائقة” Warp Speed لتسريع تطوير اللقاحات.

وأسفر البرنامج عن إنتاج لقاحات آمنة وفعالة تمكنت الولايات المتحدة ودول أخرى من شرائها بسعر يشكل جزءًا صغيرًا من الفوائد الاجتماعية للقاحات، التي قُدر أنها تصل إلى عشرات التريليونات من الدولارات.

وقدر الخبير الاقتصادي روبرت بارو بأنه بين أيلول (سبتمبر) 2021 وشباط (فبراير) 2022، أنقذت هذه اللقاحات أرواح الأميركيين بتكلفة تتراوح بين 55.000 و200.000 دولار لكل منها، أي أكثر من 20 مرة فوق عتبة فعالية التكلفة التي تحتاج سياسات إنقاذ الحياة عادة إلى الوفاء بها.

وإذا ما وفرت أفضل وألمع الروافع في العالم والحكومات أو القطاع الخاص التمويل، سوف يمكننا تحقيق نجاحات أكثر إثارة للإعجاب.

على سبيل المثال، على الرغم من أنه ما يزال يتعين عليها التغلب على العقبات التقنية الرئيسية، فإن دراسات التسلسل الميتاجينومي (3) واسعة النطاق لمياه الصرف الصحي ستساعد على الكشف عن الأمراض الجديدة في مرحلة ما يزال من الممكن فيها احتواؤها والقضاء عليها.

ويسعى “مرصد الأحماض النووية”، ومقره في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إلى تحقيق هذه الرؤية بالتحديد.

ويجب على القطاعين العام والخاص أيضًا تطوير معدات حماية شخصية أفضل وإجراء المزيد من البحوث في تكنولوجيا التعقيم مثل Far UVC -وهي عملية تأيين بالإشعاع، والتي إذا نجحت، يمكن أن توفر دفاعًا شبه كامل ضد مسببات الأمراض يمكن تثبيتها في أي مبنى.

وفيما يتعلق ‏‏بالذكاء الاصطناعي‏‏، يجب توسيع نطاق البحوث الرامية إلى جعل الأنظمة آمنة وموثوقة عشرة أضعاف.

والخيط الناظم الذي يمر عبر تدابير كهذه هو التركيز على الاستراتيجيات الدفاعية التي لا تخلق في حد ذاتها مخاطر أخرى أو تعززها.

كما أن التقدم ممكن أيضًا في مجالات أخرى.

وسيكون جمع المعلومات الاستخبارية وتحليلها بهدف الوصول إلى المصادر المعروفة للمخاطر واسعة النطاق أمرًا بالغ الأهمية.

وعلى الرغم من أن تحقيق اليقين الكامل أمر مستحيل (قال عالم الفلك، ‏‏كارل ساغان،‏‏ ذات مرة: “النظريات التي تتضمن بحث نهاية العالم ليست قابلة للتحقق التجريبي -أو على الأقل، ليس أكثر من مرة واحدة”)، فإن مسح بما يلوح في الأفق والتنبؤ به يمكن أن يساعد على تحديد مكامن القلق الجديدة.

وفي هذا السياق، من المشجع أن أحدث تقرير عن “الاتجاهات العالمية” الصادر عن “مجلس الاستخبارات الوطني” تضمن مناقشة لمفهوم المخاطر الوجودية، داعياً إلى “تطوير استراتيجيات مرنة من أجل البقاء على قيد الحياة”. ‏

يتعين على المزيد من الحكومات، والمؤسسات، والشركات أن تأخذ مثل هذه الأفكار على محمل الجد.

وسيكون الإصلاح التنظيمي مهماً أيضاً. في ‏‏كتابه “تجنب الكارثة” Averting Catastrophe‏‏، أظهر ‏‏كاس صنشتاين‏‏، الرئيس السابق للمكتب التنظيمي في البيت الأبيض، كيف أن النهج الحالي للحكومة في تحليل التكاليف والفوائد لا يمكن أن يفسر بشكل كاف المخاطر الكارثية المحتملة.

وجادل صنشتاين بما أسماه “مبدأ الحد الأقصى”: في مواجهة المخاطر الشديدة بما يكفي -والانقراض البشري مؤهل بالتأكيد ليكون بينها- يجب على الحكومات التركيز على تجنب أسوأ النتائج.

وكما يحدث، يقوم البيت الأبيض حالياً بتحديث إطاره لمراجعة اللوائح.

وعليه أن يغتنم هذه الفرصة لجعل نهجه في التعامل مع المخاطر منخفضة الاحتمال للأضرار الشديدة متناسباً مع القرن الحادي والعشرين، سواء من خلال تبني مبدأ الحد الأقصى الذي اقترحه صنشتاين أو شيء مماثل يأخذ المخاطر الكارثية العالمية على محمل الجد. ‏

نحن واحد من الأجيال الأولى للتاريخ

تنبأ فوكوياما “بقرون من الملل في نهاية التاريخ”. ولا شيء يمكن أن يكون أبعد من هذا عن واقع الحال.

سوف تشكل التكنولوجيات القوية والمدمرة تحديًا غير مسبوق للنظام السياسي الحالي. ويمكن أن يقوض الذكاء الاصطناعي المتقدم توازن القوى القائم بين الأفراد والدول: سوف تعطي القوى العاملة المؤتمتة بالكامل الحكومات سببًا ضئيلاً لمعاملة مواطنيها بشكل جيد؛ ويمكن لديكتاتورية تمتلك جيشًا وقوة شرطة من الذكاء الاصطناعي أن تمنع إمكانية حدوث انتفاضة أو انقلاب.

ويمكن للحكومة استخدام احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة كسبب لتوسيع الدولة وقمع الحريات الفردية مثل حرية التعبير على أساس حماية الأمن القومي.

ويمكن استخدام إمكانية تطوير أسلحة بيولوجية يسهل الوصول إليها لتبرير المراقبة الشاملة.

مع وضع مستقبل البشرية في الذهن، علينا أن نقاوم مثل هذه الضغوط.

يجب أن نكافح لضمان أن يكون لدينا مستقبل، وأن يكون مستقبلاً يستحق أن يُعاش.

لقد خلق التحول الثقافي نحو الليبرالية على مدى القرون الثلاثة الماضية محركًا للتقدم الأخلاقي، أدى إلى انتشار ‏‏الديمقراطية‏‏ وإلغاء ‏‏العبودية‏‏ وتوسيع الحقوق ‏‏للنساء‏‏ ‏‏والملونين‏‏.

لا يمكن إيقاف تشغيل هذا المحرك الآن. وإذا كان ثمة شيء، فهو أننا في حاجة إلى الذهاب أبعد من ذلك بكثير في تعزيز التنوع الأخلاقي والسياسي والتجريب.

وبالنظر آلاف السنين إلى الوراء، يرى الحداثيون ممارسات الرومان، من حيازة العبيد، والتعذيب من أجل الترفيه، والنظام الأبوي المتطرف، على أنها بربرية.

وربما تنظر الأجيال المقبلة إلى العديد من ممارساتنا الحالية على أنها أفضل بعض الشيء.

لذلك يجب أن نسير على حبل مشدود. يجب أن نضمن أن يقلل التعاون العالمي من مخاطر الكوارث العالمية إلى ما يقرب من الصفر، مع الحفاظ على حرية وتنوع الفكر والهياكل الاجتماعية التي يكون من شأنها أن تمكننا من بناء مستقبل يشكرنا عليه أحفاد أحفادنا.

إن التفكير في تغيير سياسي واسع النطاق هو أمر شاق، لكنَّ ابتكارات الماضي في مجال الحكم، مثل منظومة ‏‏الأمم المتحدة‏‏ والاتحاد ‏‏الأوروبي‏‏، توفر أسباباً للأمل.

لسنا معتادين على رؤية أنفسنا كواحد من الأجيال الأولى للتاريخ.

ونحن نميل إلى التركيز على ما ورثناه من الماضي، وليس ما يمكن أن نورثه للمستقبل.

وهذا خطأ. لمعالجة المهمة الماثلة أمامنا، يجب أن نفكر ملياً في المكان الذي نقف فيه في السلالة البشرية الكاملة.

ونحن في الوقت الحاضر نقامر بتهور، ليس بحياتنا وحياة أطفالنا بحسب، ولكن بوجود جميع الذين لم يأتوا بعد. دعونا نكن آخر جيل يفعل ذلك.‏

*‏ ويليام ماكاسكيل William MacAskill: أستاذ مشارك في الفلسفة في جامعة أكسفورد وزميل باحث أول في “معهد الأولويات العالمية” Global Priorities Institute.

وهو مؤلف الكتاب المقبل ‏‏”ما ندين به للمستقبل‏‏” What We Owe the Future.‏

*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Beginning of History: Surviving the Era of Catastrophic Risk

هوامش المترجم:

(1) إيكاروس Icarus، في الميثولوجيا اليونانية، ابن دايدالوس. تحكي أسطورة يونانية قصة إيكاروس، الذي كان محتجزاً هو وأبوه في متاهة جزيرة “كريت” عقابًا لهما من “مينوس”، ملك الجزيرة. وللهرب من عقاب مينوس، استعان الاثنان بأجنحة ثبّتاها على ظهريهما بالشمع.

وأثناء هروبه من منفاه في المتاهة، حلّق الابن إيكاروس قريبًا من الشمس متجاهلاً نصيحة والده، فهوى صريعًا بعد أن أذابت أشعة الشمس الشمع المثبّت لجناحيه.

(2) حفل ميتا غالا Met Gala، أو “ميت بول” Met Ball، الذي يُطلق عليه رسميًا اسم “حفل معهد الأزياء”، هو حفل سنوي لجمع التبرعات يُقام لصالح “معهد متروبوليتان لفنون الأزياء” في مدينة نيويورك.

يُنظر إليه عمومًا على أنه حدث الأزياء الأكثر شهرة في العالم، ويسعى الكثيرون بشدة للحصول على دعوة. تتم دعوة المشاهير من مختلف المجالات المهنية، بما في ذلك نجوم الموضة والأفلام والتلفزيون والمسرح والموسيقا والأعمال والرياضة ووسائل التواصل الاجتماعي والسياسة، إلى الحفل الذي تنظمه مجلة الموضة “فوغ” Vogue.

(3) الميتاجينومية metagenomics: هي دراسة المادة الوراثية المستخرجة مباشرة من العينات البيئية.

يمكن الإشارة إلى المجال الواسع أيضًا باسم “الجينوم البيئي” أو الجينوميات المجتمعية. في حين أن علم الأحياء المجهرية التقليدية وتسلسل الجينوم الميكروبي وعلم الجينوم يعتمدان على الثقافات المستنسخة المزروعة، فإن تسلسل الجينات البيئية المبكرة يستنسخ جينات معينة لإنتاج لمحة عن التنوع في عينة طبيعية.

وكشف هذا العمل أن الغالبية العظمى من التنوع البيولوجي الميكروبي ضاعت من خلال الأساليب القائمة على الزراعة.

تقدم الميتاجينومية عدسة قوية لمشاهدة العالم الميكروبي الذي لديه القدرة على إحداث ثورة في فهم العالم الحي بأكمله.

ومع استمرار انخفاض سعرأدوات تعقب تسلسل الحمض النووي، تسمح الميتاجينوميات الآن بالتحقيق في علم البيئة الجرثومية على نطاق وتفصيل أكبر بكثير من ذي قبل.

اقرأ أيضا في ترجمات:

الدين والسياسة (1)

الدين وفكرة صامويل هنتنغتون عن “صراع الحضارات”: مقاربة نقدية

الدين والسياسة (3): العلمانية والعلمنة

الدين والسياسة (4): الأصولية اليهودية والأصولية المسيحية

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock