فكر وأديان

بداية رمضان ونهايته

د. أحمد ياسين القرالة

اجتمع أئمة المساجد وممثلو الجالية الإسلامية في إحدى العواصم الأوروبية بوزير داخليتها، للتباحث معه حول إمكانية اعتبار يوم عيد الفطر إجازة رسمية مدفوعة الأجر بالنسبة للمسلمين، رحّب الوزير الذكي بالفكرة ولعلمه بعدم إمكانية ذلك، وطلب من الوفد تحديد ذلك اليوم لتثبيته والعمل به، ولما كان ذلك متعذرا بسبب الخلافات الإسلامية وإصرار البعض على اعتماد الرؤية البصرية التي تجعل من المستحيل تحديد بداية الشهر ونهايته قبل دخوله أو خروجه، انتهى اللقاء بين الوزير والمجتمعون دون نتيجة.
ما حصل بين الأئمة والوزير يحدثُ كلَّ عام مع بداية رمضان ونهايته حيث يقع المسلمون في الاضطراب والحيرة والفرقة والاختلاف، فتجد دولا قد أعلنت دخول شهر رمضان فصام مواطنوها، بينما دول أخرى مجاورة لها تفصل بينهما حدود وهمية ما زالت في شعبان تنتظر رؤية الهلال ودخول الشهر.
كل ذلك يحصل بسبب الإصرارِ على العمل بالرؤية البصرية وتحريم الاعتماد على الحسابات الفلكية، مع أنها أدقُّ من الرؤية البصرية وأكثر ضبطاً منها، والأهم من ذلك أنها تحقق مقصداً شرعياً وهو وحدة الأمة وتماسكها.
لماذا يصر البعض على الإمعان في شرذمتنا وتفرقنا حتى في عوامل وحدتنا؟ وقد يقال بأن المشكلةَ سياسيةٌ وليست دينيةً، ولكن من الذي أعطى السياسة المبررَ الديني لشرذمة الناس وتفريقهم؟ وهل كان للسياسة أن تلعبَ في هذا الملعب لو لم نقذف لها بكُرةَ خلافاتنا واختلافاتنا؟
ليست المشكلةُ في السياسة، إنها في إصرار فئةٍ منا على التعامل مع الحاضر بأدوات الماضي، وفي الوقوف على حرفية النصوص مع التغافل عن عللها ومقاصدها الشرعية، والخوف من كل ما هو جديد ومتطور، وعدم الثقة إلا بقول السابقين من الفقهاء الذين قاموا مأجورين بواجبهم تجاه مشكلاتهم الحياتية بما يتناسب مع إمكاناتهم وظروف عصرهم.
وإذا كانت رؤية الهلال البصرية هي الوسيلةَ المتيسرةَ والموثوقةَ لمن سبقنا بسبب ضعف الإمكانيات العلمية ومحدوديتها، فكان الاعتماد عليها هو التكيلف الذي تطالب به الأمّة و”لا يكلف نفساً إلا وسعها”، وهو ما علله النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “إنَّا أمَّة أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا”، ولكن وبعد أن تطورت العلوم عامة وعلمُ الفلك خاصةً وأصبحت الأمور تقاس بالميكرو والنانو وأضحت حركةُ الكواكب والنجوم محسوبةً مضبوطةً يمكن من خلالها التنبؤ بوقت تولّد الهلال وزمان ظهوره واختفائه، ونسبة الخطأ فيها لا تتجاوز الأجزاء من الثانية، وهو في أسوء أحواله أقلُ خطأ والتباساً من الرؤية البصرية التي لا تقل النسبة فيها في أحسن أحوالها عن الخمسين بالمائة، فكيف تثق الأمّة بأمر دينها برؤية شخص أو شخصين مهما كان ورعهما وتقواهما، ولا تثق بالعلم الذي ثبت بما لا يدع مجالاً للشك قدرته الفائقة على حل مشاكلنا وتطوير حياتنا وتحقيق رفاهيتها؟!
أما آنَ الوقت لحسم هذه المسألة البسيطة في مضمونها الخطيرة في دلالاتها ومعانيها؟ ومتى يمكن أن يكونَ للمسلمين تقويمهم الهجري السنوي أو العشري تحدد فيها بدايات الشهور العربية ونهاياتها، فنعرف بدخول رمضان وقدوم العيد ويوم عرفة قبل ذلك بسنوات وعقود؟

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock