ثقافة

بدر عبدالحق.. صدى كلماته ما تزال تدق في أرواحنا

ندوة استذكارية عن تجربة الكاتب الراحل في منتدى الرواد الكبار

عزيزة علي

عمان– بمناسبة مرور 12 عاما على رحيل الكاتب والقاص بدر عبدالحق، أقام منتدى الرواد الكبار مساء أول من أمس، ندوة استذكارية حول تجربة عبدالحق شارك فيها اكاديميون وهم: د.هند أبو الشعر، د.نضال الشمالي، د.دلال عنبتاوي، وزوجة عبدالحق سلامة الجماعيني، وادار الندوة المستشارة الثقافية في المنتدى القاصة سحر ملص.
مديرة المنتدى هيفاء البشير قالت “نستذكر نحن ونخبة من الأدباء القاص والكاتب بدر عبدالحق الذي رحل عن دنيانا في شهر شباط من عام ألفين وثمانية، وبالرغم من رحيله إلا أن صدى كلماته وذكراه ما تزال تدق في أعماقنا مثل ناقوس لتوقظ ما تّرهل وبدأ بالتماوت في أعماقنا من إحساس دافق تجاه الحياة وقضاياها، مرحبة بالمشاركين في هذه الندوة الذي قدموا إضاءات على جانب من إبداعات عبدالحق”.
من جهته قدم د. نضال الشمالي قراءة في المشروع الأدبي لبدر عبد الحق قائلا: أنجز عبدالحق حضورا لافتا على الساحة الصحفية والأدبية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي وكان هذا الحضور محفوفا بأعباء إدراية ألمت به وصقلته، والرغم أنه لم يكتب من القصص القصيرة ما يؤهله ليكون في طليعة القاصين الأردنيين، فهو لم يكتب في مجال القصة القصيرة سوى مجموعتين، إلا أن المستوى الفني لهذه المجموعة كان يبشـّر بكاتب قصة يمكن المراهنة عليه، وهذا يدل على أن مشروع القصة القصيرة عند عبدالحق كان مشروعا مؤجلا، حيث يلاحظ تطورا تقنياً في بنية القصة القصيرة عنده.
وأوضح الشمالي أن القصة عند عبدالحق تصوّر تجربة نفسية أو مجموعة من اللحظات في ذهن إنسان، فالحدث غائم ومشتت يحتاج إلى إعادة تنظيم. فلم تعد القصة القصيرة تقدم حلا متوقعا، بل أصبحت عند الراحل تترك كل شيء للاحتمال والبحث وإعادة التأسيس. فالواقع بات عجيبا غريبا لا يمكن إخضاعه لمنطق محدد، فالمفاهيم تغيّرت والرؤى تبدّلت.
وزاد الشمالي: توزعت اللغة عند الراحل بين المباشرة في بعض الأحيان، والإيحائية التصويرية الشعرية في أحيان أخرى. فالقصة الحداثية ما عادت تراهن على المضمون والأفكار والتشويق والجذب فحسب، بل تضاعف مرادها بعد أن هبت عليها رياح التجريب لتقترب من لغة الشعر، واهتم عبدالحق بتوظيف تقنيات سردية متقدمة كتيار يسمى بالوعي الباطن وهي تقنية تتداخل مع التداعي وتمتزج أحيانا بالتذكر والمونولوج.
ورأى الشمالي أن قصص عبدالحق صاغت نفسها في هموم الذات، فبقيت رهنا لهذه التقنيات الباطنية، التي قادت إلى ارتباك مقصود في التسلسل الزمني الذي يقدم الحياة في وضعها الطبيعي، ويفتح المجال أمام فكرة الزمن النفسي، وهو زمن داخلي، زمن الشعور أو زمن الذاكرة، وأفلح في تقديم طروحات صعبة تعكس حال المعاناة التي يعانيها المجتمع العربي المأزوم، فكان الإصرار على مثل هذا الطرح لا يفسر إلا من قبيل الانسكاب لما يكتنز في نفس هذا الصحفي المسؤول.
د. هند ابو الشعر رأت ان عبدالحق لا يحتاج الى تقديم او تعريف فهو حاضر، مشيرة الى بعض الذكريات التي جمعتها معه هو وفخري قعوار في زمن تسيد فيه فن القصة القصيرة وازدهر، وقالت “شاركت في اول امسية قصصية مع فخري قعوار، عبدالحق، وأدارها ابراهيم خليل الذي عقب على القصص، ولم تعجبه قصة عبدالحق، في حين انها أدهشتني وأحسست انه صاحب مدرسة تعتمد الادهاش وانتقاء شخصيات غير عادية”.
واضافت ابو الشعر عبدالحق إنسان استثنائي يملك روحا عصية على التدجين، وهو قاص له صوته الخاص، لا يشبهه فيه احد يبتدع شخصيات تستوقفك، وقد لا تعجبك لكنها تفكر وتتساءل وتهز الوجدان والعقول معا، واكثر ما يدهش في تجربة الراحل انه استطاع ان يفصل بقوة وإصرارا بين مقالاته وقصصه، ولم نشعر ابدا ونحن نقرأ مقالاته انه قاص، يويشدك ببساطة.
من جانبها تحدثت د. دلال العنبتاوي عن دلالة العنوان في القصة القصيرة عند عبدالحق، لافتة الى ان شكل العنوان وحضوره في نصوص الراحل “بوصفه بنية كتابية تعلو النص وتتعالق معه دلاليا” فقد ارتبطت اغلبها في النصوص بالإشارة الى الواقع والحياة التي يعانيها انسان هذا الزمن، لافتة الى ان العنوان في نصوص الراحل تعبر عن رؤاه الكونية، وخلف كل عنوان منظومة من المرجعيات تعلن عن مقصد الكاتب ونواياه ومراميه الدلالية التي تتجاوز المألوف وتكشفه القصة ذاتها من خلال قراءاتها والغوص بها وتشير الصياغة الفنية للعنوان بالنظم الجيدة للبنية السردية والتخطيط المنسق لمسار القصة واحداثها.
وخلصت عنبتاوي الى ان الخوض والحديث عن عالم عبدالحق هو مغامرة كبرى فنحن نقف امام مبدع حقيقي كان يسير بخطى واضحة متميزة في عالم الإبداع، إلا أن اكثر ما يلفت في تجربة الراحل الإبداعية انها اتكأت على عنصرين مهمين من عناصر الإبداع ودعامتين مهمتين جدا وتحتاجان الى قلم مبدع وروح شفافة تلتقط ما حولها بكل قوة وثقة وابداع هما “القصة القصيرة والمقالة”.
بينما تحدثت زوجة عبدالحق سلامة الجماعيني عن ابرز المحطات في حياة الراحل، منذ ان وجد في نفسه الجرأة ليجالس اصدقاء اخيه صادق عبد الحق واخذ يتنسم اخبار الادب ويبدأ النقش لأول مقالة يرسلها الى احد المجلات المختصة، لينتظر ويرى اسمه فيها، إلى ان اول مجموعة قصصية كتبها بالشراكة كل من “بدر عبدالحق، فخري قعوار، خليل السواحري”، فكانت الشرارة لجيل من المبدعين الجدد.
كما تناولت الجماعيني تجربة عبدالحق الصحفية، حيث ذهب للعمل في الصحافة الخليجية وكان مبدعا ومتألقا، ثم رحيله الى باريس فالعودة للاردن، اكمل مشواره الصحفي في جريدة الرأي الأردنية التي كانت بيته الاول والأخير، وسطع نجمه في مساحات الادب والسياسية والمقالات والقصص والندوات، كلها كانت تقرأ بشغف، فكان عبدالحق وفخري قعوار من ابرز الكتاب التنويريين في ذلك الزمن.
وتحدثت الجماعيني عن طقوس عبدالحق اثناء الكتابة قائلة “من الصباح الباكر بعد ان يشرب القهوة ويدخن السجائر ويلقى نظره على حديقة المنزل، يعود ويبدأ بالكتابة يظل يكتب حتى تنضج الفكرة وتخرج لتصبح مقالا يبتسم له اذا كان من العيار الثقيل ويقرأني اياه، كان يومه عملا متواصلا اثناء الاكل يكتب اثناء قيادة السيارة كان يملي علي الفكرة التي تأتي في لحظتها لأسجلها على ورقة او احيانا على محرمة ورقية ليصنع منها في اليوم التالي مقالا.
كما تحدثت الجماعيني عن عبدالحق الزوج والاب الذي كان يحتفى بالعائلة، “كنا نعيش كأسرة سعيدة تملؤها ضحكات ثلاث بنات شقيات ينثرن في ارجاء المنزل حكايات كان الراحل يجعل منها خواطر يكتبها في زاوية في الجريدة، وفي 1996 كانت نهاية ذاكرة رجل شجاع وبقي طريح المرض حتى رحيله في العام 2008، ظل يكتب وينشر حتى عايته الذاكرة فأغلق شبابيكها حتى لا يزعجه احد في صفائه”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock