ثقافة

بدور القاسمي لـ “الغد”: نحتاج لمحتوى يعزز الروح الجماعية ويقود نحو فهم الذات والهوية

عمان- الغد – في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالتنمية المستدامة وتوفير مقوماتها الممكنة لكل الأمم، ترفع الشيخة بدور القاسمي، رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين، راية النشر كإحدى الروافد الأساسية لها، ولا تتوقف عن الحديث عن دور المعرفة بشكل عام، والنشر بشكل خاص، في التأسيس لقاعدة التقدم والتطور والنمو، والاستقرار الاجتماعي، لما للنشر من أهمية في توجيه مسار الثقافة نحو القيام بدورها في تحقيق طموحات الشعوب.
وفي حوار خاص لصحيفة “الغد” تحدثت الشيخة بدور القاسمي حول الأبعاد التنموية والاجتماعية للنشر والثقافة.

  • في كل حوار حول قطاع النشر، نطرح أسئلة تتعلق دوماً باحتياجات القطاع، سواءً على المستوى العربي أو العالمي، اليوم سيكون سؤالنا من زاوية أخرى وهي: ما الذي تتوقعه مجتمعاتنا العربية من قطاع النشر والناشرين؟
    أعتقد بشكل عام، أن المعرفة ليست محايدةً، وليست وظيفتها فقط توصيف أو توثيق الحالة السائدة في مجتمع ما، فالثقافة، هي أساس المعرفة، أساس الخير والحق والجمال والمهارات والتقدم البشري، وغياب المعرفة يولد الكثير من المشكلات، منها غياب الكفاءات العلمية والمهارات الواعية، وعدم مواكبة مستجدات الحياة ومتطلبات أسواق العمل، والأهم من ذلك عدم تقبل الاختلاف والرأي الآخر.
    وقد وضعت “هيئة الأمم المتحدة” المعرفة أساساً للنمو المستدام ضمن أهداف التنمية المستدامة للعام 2030، ومن خلال التعرف على النماذج الاجتماعية والاقتصادية المناسبة لتحقيق التقدم، نستطيع أن نشق طريقنا نحو المستقبل بقوة وثبات، وصياغة تجربتنا التنموية الخاصة، وكل هذا يندرج في إطار المعرفة والقراءة والاطلاع الدائم على ما تنشره الشعوب والأمم.
    لذلك، مسؤولية قطاع النشر كبيرة، والتوقعات منه أكبر من ذلك بكثير، ما يستدعي تطوير الأدوات ليكون بحجم التوقعات. مجتمعاتنا اليوم بحاجة إلى محتوى يعزز الروح الجماعية والتضامن بين الفئات المختلفة، وبحاجة أيضاً إلى خريطة طريق تقود نحو فهم الذات والهوية، وعلاقاتها الإنسانية مع الهويات الأخرى التي تشاركها الطموحات والتطلعات.
    لو وضعنا في أولوياتنا قطاع النشر وصناعة المعرفة في الوطن العربي على وجه التحديد، لقلت إنها تبدأ بترسيخ الوعي التنموي بكل تجلياته وعناصره، وتشمل تمكين المرأة من الريادة الاقتصادية والاجتماعية ودعم مسيرتها الثقافية سواءً كانت ناشرة أو أديبة أو تمتلك موهبة فنية مهما كان نوعها. وعلى قطاع النشر أيضاً أن يعمل على تمكين الشباب العربي من أدوات ومهارات النشر الحديث أولاً، ومن ثم في القطاعات الأخرى، فنحن بحاجة دائما إلى المواهب الجديدة والأفكار الجريئة لتطوير القطاع.
    ●كيف يمكن لقطاع النشر أن يعمل وفقاً لهذه الأهداف والأولويات ويعمل على تطبيقها؟
    في الماضي كان يقال: “إن الثقافة من أجل الثقافة، والفن من أجل الفن فقط”، إلى أن بدأ المثقفون وعلماء الاجتماع والتنمية بربط الثقافة بالتنمية الشاملة والمستدامة وذات العائد الاجتماعي الذي يشمل جميع الفئات، مؤكدين دور الثقافة في إعداد الإنسان وبنائه معنوياً ووجدانياً، وهذا يعني تمكين الإنسان من تحقيق التنمية عبر تهيئة الظروف التي تسبقها.
    لم يعد من باب الصدفة أو الاستعارة تناول مصطلح التنمية ضمن الثقافة، لأن الثقافة تصنع الأفكار والطباع ومناهج الممارسات اليومية، والتنمية في جوهرها أفكار تترجمها ممارسات واعية، لهذا نشهد اليوم تنامياً كبيراً لنصيب الثقافة في البرامج والمبادرات الرسمية لحكومات العالم.
    إذاً، من الضروري أن يضع قطاع النشر استراتيجياته بناءً على هذه المهمة؛ فهو رسالة أكثر من كونه مهنةً، فإذا أصبح لكل دار نشر رسالة محددة تصيغ هويتها المنفردة، نكون قد منحنا التنمية قاعدة صلبة وراسخة. من الجيد أن نرى دور نشر متخصصة بتمكين المرأة والفئات الاجتماعية مثل الشباب من العمل والريادة وتحقيق الذات، وأخرى متخصصة في دعم الصناعات الإبداعية والتعريف بأهميتها الاقتصادية والاجتماعية، وهذا التخصص لا يعني اقتصار منشورات كل دار على قضية واحدة، بل أن يكون لدار النشر هويتها وهدفها الاستراتيجي، وفي الوقت ذاته تحرص على التنوع فيما تنشر وتلبي رغبات وميول الجمهور المختلفة، ومن الضروري هنا أن يكون لنا أدوات لقياس الأثر الاجتماعي والتنموي للنشر وليس حجم الإنتاج الفكري فقط.
  • حتى يقوم قطاع النشر العربي بمهامه المذكورة أعلاه عليه أن ينهض في مواجهة تحدياته، برأي الشيخة بدور القاسمي ما أبرز هذه التحديات؟
    قطاع النشر العربي جزء من قطاع النشر العالمي الذي مر بتحديات كثيرة خلال فترة جائحة “كورونا”، ولكن الرسالة التي وجهتها لقادة النشر العربي خلال العديد من اللقاءات أن الجائحة يجب أن نعتبرها فرصة ذهبية لمراجعة نماذج أعمالنا واستراتيجياتنا في التسويق والبيع والشراكات، ومواكبة التطورات المتسارعة، فالتقنيات الحديثة اليوم غيرت قواعد المعادلة، وزادت من مساحة الأسواق وعدد القراء وتنوع الخيارات التي تتناسب مع الأذواق كافة، وهنا أعني الكتاب الرقمي والصوتي الذي بات يحظى باهتمام نسبة كبيرة ومتزايدة من القراء. لذلك لا بد للناشرين من التجديد والتحديث في منهجيات النشر وأدواته وخططه، وعلى قطاع النشر أن يكون مرناً وقادراً على استيعاب المستجدات بسرعة كبيرة، فالصناعات كلها متغيرة والثابت الوحيد بالنسبة لقطاع النشر هو رسالته وغاياته.
    والقضية المركزية الأخرى التي تندرج في إطار التحديات هي الترجمة. إذ لا يمكننا الاستفادة من السوق العالمية بدون حركة ترجمة نشطة من وإلى اللغة العربية، وبشكل خاص من اللغة العربية للغات الأخرى لنشر منتجنا الثقافي والتعريف به عالمياً.
    نحن بحاجة أيضاً للمزيد من التنسيق بين رواد صناعة المعرفة، لذا من المفيد جداً إنشاء أطر في كل بلد تجمع ممثلين عن الناشرين، والكتاب، والمصممين، والمترجمين، وأن تكون هناك لقاءات دورية فيما بينهم، وأخرى تجمعهم مع المسؤولين وصناع القرار، ومع موردي الورق والحبر ومدخلات صناعة النشر، وفي هذا الوقت، حيث تنتشر الكتب الإلكترونية المقروءة والمسموعة، يجب أن تكون هناك لقاءات أكثر مع رواد مختصين في القطاع الرقمي والقائمين على عملية تحويل الكتب إلى رقمية.
    كما توجد حاجة ملحة للمزيد من التنوع والشمول في قطاع النشر العربي. فالأصوات الجديدة والطاقات الشابة من الجنسين، مفعمة بالحيوية والأفكار الخلاقة والتي ستسهم قطعاً في تنويع وتعزيز صناعة القرار في قطاع النشر العربي عندما يتم منحها الفرصة للمساهمة واتخاذ القرار وقيادة التغيير المنشود.
    ● السؤال الذي يستكمل النقاط السابقة كافة، هو كيف يمكن من وجهة نظر الشيخة بدور القاسمي مواجهة هذه التحديات والتغلب عليها بكفاءة وسرعة؟
    يجب أن نبدأ من أنفسنا ونضع قطاعنا في السياق العالمي لنعرف أين نحن وهل توجد فجوة بيننا وبين قطاع النشر العالمي. نحن نعلم طبعا أن هناك فجوة وتكلمنا عنها في العديد من اللقاءات والندوات والاجتماعات وأعتقد أن مرحلة التحليل قد انتهت ويجب الآن أن ننتقل إلى مرحلة التطبيق لإحداث التغيير المطلوب على المستويات كافة.
    يمكننا أن نبدأ من التنسيق والتعاون وبناء الشراكات بين رواد صناعة الكتاب وما يمثلونه من أطر واتحادات، فقد آن الأوان لاستحداث قنوات وأطر تنسيق مستدامة ومقررة، أي أن نملك الصلاحية مجتمعة لتقرير مستقبل النشر وصناعة الكتاب ومدخلاتها وآليات التوزيع وبناء الشراكات إقليمياً وعالمياً. لا يمكن لأي عنصر من عناصر صناعة المعرفة أن يتطور منفرداً لأنه مرتبط بشكل وثيق مع العناصر الأخرى، يؤثر فيها ويتأثر بها، وليصبح صوت الناشرين والمترجمين وأصحاب المكتبات وموزعي الكتب مسموعاً أكثر، يجب أن تكون هناك مصالح مشتركة أكثر يقودها مصير واحد وتعبر عنها رؤية متفق عليها.
    من خلال التعاون والتنسيق والعمل المشترك، لن يعود من الممكن تجاهل مكانة النشر كصناعة ذات بعد اجتماعي واقتصادي وتنموي، ولن يكون من السهل تجاهل متطلبات نمو هذه الصناعة، لأن المطالبة بدعمها ستكون أقوى وبصوت أعلى.
    من الضروري اليوم من أجل ترسيخ الحضور العالمي أن يزيد الناشرون العرب من تفاعلهم مع زملائهم حول العالم، من خلال حضور المؤتمرات والمنتديات ومعارض الكتاب الدولية والترشح للجان منظمات النشر الدولية. فهذا الحضور ضروري للتعلم وتبادل الخبرات وأيضاً لإيصال صوت الناشر العربي إلى أنحاء العالم كافة.
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock