أفكار ومواقف

بذكرى تفجيرات عمان.. المعركة مستمرة

14 عاما كاملة مرت على وقوع الحادثة الإرهابية الأكبر والأسوأ التي ضربت وطننا خلال العقود القليلة الماضية، والتي تمثلت بتفجيرات ثلاثة فنادق بعمان يوم التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، وذهب ضحيتها 60 شهيدا وعشرات الجرحى والمصابين، وهي حادثة ما تزال تحفر عميقا في الذاكرة الوطنية رغم مضيها في الابتعاد زمنيا، ليس لعدم القدرة على تجاوز آثارها النفسية الصعبة بل لترسخ وعي عام يرفض تكرار مثل تلك الجريمة النكراء التي وحّدت يومها كل الأردنيين ضد الكراهية والإرهاب واستهداف أمننا واستقرارنا وأرواح مواطنينا وضيوفنا.
في تقييم النجاح بهذا التحدي الوطني؛ عدم تكرار مثل ذلك الحادث الإرهابي الكبير، يمكن القول بكل اعتزاز أنه هدف تحقق إلى حد كبير، وكان النجاح هنا تحقق منذ اللحظة الأولى لتلك المأساة عندما سقطت الأهداف الكبرى للإرهابيين وراء تلك التفجيرات الدامية، وهي ضرب ثقة الأردنيين بوطنهم واستقرار بلدهم حيث جوبهت موجة الإرهاب العاتية تلك بأوسع وحدة وطنية ورفض وطني راسخ للإرهاب والتطرف ولكل خطابه المتهافت، الذي ربما كان يلاقي قبل تلك العملية الإرهابية بعض تعاطف أو تفهم لدى جزء من الرأي العام لتأتي تلك الجريمة لتنسف كل الزيف والتضليل بذلك الخطاب.
لكن؛ ومن باب التقييم الموضوعي أيضا يمكن القول بأن هذا النجاح لم يكن كاملا، أو على الأقل لم يتواصل البناء عليه بصورة مناسبة في كل المفاصل والاتجاهات، لذلك تكررت لاحقا وعلى مدى السنوات الفائتة أحداث إرهابية شنيعة ارتقى فيها شهداء وسالت فيها دماء زكية لعسكريين ومدنيين، كما في أحداث السلط والكرك والنقطة الحدودية بمنطقة الركبان والبقعة وغيرها، لكنها كلها – والحمد لله – لم ترتق بخطورتها وعمقها إلى ما شكلته تفجيرات فنادق عمان الدامية بحجمها وأبعادها.
الأردن تعلم من تفجيرات عمان دروسا مهمة، وطور كثيرا من إجراءاته وأدواته الأمنية والعسكرية والسياسية والتشريعية التي مكّنت من عدم تكرار تلك الفاجعة الوطنية الكبرى، بالرغم من الانهيار اللاحق للأوضاع الأمنية في المحيط الإقليمي للمملكة، في العراق وسورية وغيرها وتجمع كل عصابات التطرف والإرهاب حولنا، ما كان يمكن له لولا التعلم جيدا من دروس تفجيرات عمان أن يعرض الأمن والاستقرار الأردني لاهتزازات وضربات صعبة مع كل هذا المحيط المتفجر والمصدر لكل الشرور.
اليوم؛ ونحن نحيي الذكرى الرابعة عشرة لتفجيرات عمان الدامية ما نزال مطالبين بالتوقف مليا والمراجعة والتقييم المستمر لما تحقق من انجازات واجراءات وقائية لمنع تكرار تلك المأساة وتحديد أين أخفقنا أو قصرنا في بناء المناعة الوطنية للتصدي لأخطار التطرف والإرهاب.
والثابت أن خطر الإرهاب والتطرف ما يزال ماثلا أمامنا ويشكل تهديدا رئيسا لأمننا لا يمكن التغاضي عنه أو التساهل معه، خاصة وأن ارتدادات التطورات على الساحتين السورية والعراقية تفتح الباب لأخطار عديدة بما يخلفه تدمير البنى التحتية لمنظمات الارهاب من رغبة بالانتقام والتخريب حيثما استطاع مناصروها وذئابها المنفردة، الأمر الذي يستدعي يقظة وطنية مستمرة.
وقد يكون الأخطر في هذا السياق أيضا هو التطور السلبي في البيئة الاجتماعية الاقتصادية، والتي ازدادت سوءا وقساوة بصورة أكبر اليوم عنها بفترة تفجيرات الفنادق، حيث تعمق الفقر والبطالة والغلاء وتوسع الانسحاق الاجتماعي وحالة عدم اليقين، وهي بيئة خصبة لانتشار الجريمة والعنف بجميع أنواعه، بما فيه الإرهابي والمتطرف، ناهيك عن عدم تحقيق اختراقات مهمة في المعركة الثقافية والفكرية مع التطرف في ظل استعصاء الحلول السياسية لقضايا وصراعات الإقليم ما يترك الباب مفتوحا لانتعاش خطاب الكراهية والتطرف والانقسامات الطائفية والدينية والعرقية.
والثابت اليوم أن المعركة مع الإرهاب والتطرف لا يمكن أن تقتصر على الأدوات الأمنية والعسكرية على أهميتها، بل تتجاوزها إلى عملية وصيرورة متكاملة، سياسية واقتصادية وفكرية وثقافية وإعلامية لا تهاون فيها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock