أفكار ومواقف

“برامج لا أشخاص”

خالد دلال

هي العبارة الأهم في عملية الإصلاح برمتها، وهي ما أكدها جلالة الملك عبدالله الثاني، خلال لقائه الأسبوع الماضي بعدد من الشباب الناشطين في العمل السياسي والاجتماعي، بقوله “نريد أحزابا قائمة على برامج، لا أشخاص”.


وإذا كان الحديث الملكي قد جاء في سياق تأكيد “ضرورة تشكيل أحزاب وطنية تستند إلى برامج سياسية واقتصادية واجتماعية يكون للشباب صوت قوي فيها”، فإن الصورة الأشمل للبناء على ذلك، وفيها صلاحنا إذا ما أمعنا الفكر والتطبيق، هي وجود حكومات ومسؤولين يتخذون من برامجهم معيارا لقياس النجاح في عقول وقلوب المجتمع، وعلى أساسه يتم محاسبتهم وفق آلية واضحة وجدول زمني ومعايير قياس أداء معلنة، بغض النظر عن شخوصهم. فالجوهر يجب أن ينصب على مبدأ الخدمة العامة الخالصة للوطن وقيادته وشعبه بكل مهنية وتفان في العمل والإنجاز على أساس البرامجية، بعيدا عن أي اعتبارات شخصية سواء من المسؤول، أو حتى من المواطن في نظرته ونقده لأداء ذلك المسؤول.


ولعل هذا يحتم تغيير نظرتنا لمن يتحمل زمام المسؤولية، والأهم تغيير نظرة المسؤول نفسه إلى قناعاته، وبالتالي إلى واجباته على أساس أن العمل العام هو تكليف ينطلق من البرنامج والإنجاز بآلية محددة وسقف زمني معلن، لا تشريف.


وهذا يقودنا حتما إلى مأسسة ما تقدم من خلال تعزيز ثقافة وفكر البناء الحكومي المؤسسي التراكمي للعمل، بحيث لا يأتي المسؤول الحالي لينسف ما قام به من سبقه ويخترع العجلة من جديد، بل يبني على ذلك، ويصحح الوسيلة والغاية إن شابهما أي اعتلال أو معيقات أو جمود. ويعني ذلك، وبجملة واحدة، وجود برامج حكومية تستمر ليس بوجود من وضعها في المنصب أم لا، ولكن بديمومة صلاح تلك البرامج للصالح العام وخدمة المواطن مهما تعاقبت الحكومات.


والأمثلة موجودة لبرامج قدمتها حكومات سابقة كان يمكن البناء عليها، خصوصا في شقها الاقتصادي، وهذا همنا الأكبر، وفي سعينا لمحاربة آفتي العصر، البطالة والفقر. ومن هذه الأمثلة الجلية برنامج عمل حكومة سمير الرفاعي وفريقه قبل ما يزيد على عقد من الزمن. فالمتصفح لبرنامج تلك الحكومة، بتجرد ومهنية وعقلانية، يصل إلى شمولية وتكاملية الاستراتيجية التي قدمت وفاعلية آليات العمل التنفيذية لها، على مختلف المحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لتشمل محاورها: “تطوير القطاع العام وتفعيل المساءلة وقياس الأداء الحكومي، تعزيز المشاركة السياسية والمدنية، تحفيز بيئة الأعمال والاستثمار، تمكين ودعم كفاءة المواطن من خلال تزويده بالمهارات اللازمة لدخول سوق العمل، تحفيز النمو الاقتصادي من خلال المضي قدما بمشاريع البنية التحتية الكبرى، توسيع قاعدة الطبقة الوسطى ودعم وتمكين الطبقة الفقيرة، وتحسين مستوى ونوعية الخدمات المقدمة للمواطنين”.


لا أعتقد أننا جميعا نختلف على ما تقدم كأهداف استراتيجية لا بد من تحقيقها، حاضرا ومستقبلا. ومرة أخرى، فالحديث هنا ليس عن أشخاص بل برنامج ومؤشرات عمل حكومي متكامل يقوم على تنفيذ فعلي وصولا إلى النتائج المخطط لها، ويستمر من حكومة إلى أخرى. ووقتها فعلا نكون قد انتهجنا المهنية لا الشعبوية بوصلة للعمل العام، وهذا هو محفز النجاح ومحركه ونحن ندخل مئوية دولتنا الثانية، المديدة بعمرها وبحجم التضحيات الجليلة للأجداد والآباء لإعلاء رايتها.


وإذا كان 2022 هو عام الإصلاح الشامل بامتياز على مختلف المسارات، فإن إيمان المسؤول والمواطن بالبرامجية نهج عمل وحياة هو ما يجب أن نعلمه لأنفسنا وللأجيال المقبلة. ولعل ذلك أجمل هدية نقدمها لقائدنا، جلالة الملك عبدالله الثاني، ونحن نحتفل بعيد ميلاده الستين، حفظه الله، هذه الأيام. “وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ”.

 

المقال السابق للكاتب 

بايدن وعامه الأول رئيسا

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock