أفكار ومواقف

برد المنفيين..!

علاء الدين أبو زينة

في هذا البرد، سوف يفكر كثيرون منا، نحن الناعمين بالدفء والسقف، في إخوتنا في الإنسانية الذين يعيشون حالة تهجير ولجوء.

الكرة الأرضية مليئة بالذين أخرجتهم من أوطانهم مختلف العوامل، بعضهم في مخيمات مؤقتة (كثيراً ما تصبح دائمة)، أو مقطوعين على الحدود بين مكانين في أوروبا الباردة.

وهناك «مهجَّرون» في بلدانهم نفسها، أسلمهم النظام للغربة والفقر وفقدان الأمن والاستقرار، ولا يجدون ما يستدفئون به.

في هذه الأيام الباردة، علق فلسطينيون على وسائل التواصل الاجتماعي بشيء من قبيل: «إننا – نحن الفلسطينيين- نعرف مثلكم ما يعنيه البرد والعراء، نشعر بمعاناتكم».

بعض هؤلاء المعلقين اختبروا مباشرة حالة التهجير واللجوء، سواء من مهجّري 1948 الذين سيكون أصغرهم في أواسط السبعينيات من العمر، أو مهجّري 1967، الذين هم الآن في أواسط الخمسينيات.

ولكن، هناك الذين أصغر عمراً من أن يكونوا قد عاشوا فصليّ الخروج الفلسطيني، ويغلب أنهم سمعوا وصفاً لتلك الخبرة من الآباء والأمهات، أو قرأوا عنها في الكتب.

وربما لم يعرف الكثيرون منهم حقاً معنى الجوع والبرد والعراء ونشأوا في نوع من «الاستقرار». فهل يمكن للفلسطيني، أي فلسطيني، أن يتحدث عن معرفة بالبرد والمخيم وحالة الهجرة المتحركة؟

في الحالة الفلسطينية، يُمكن. القسم الأكبر من الفلسطينيين، سواء الذين نزحوا داخلياً أو أُخرجوا إلى الشتات، في صفة «اللاجئ»، التي يتمسكون هم بها لأسباب قانونية، وتتمسك هي بهم كجزء أساسي من تكوينهم النفسي والشعوري والهوياتي.

وعندما يتحدث فلسطيني وُلد في المنفى مع مواطنه الذي خبر اللجوء مباشرة وبنفسه، فإنهما نادراً ما يميزان بين الخبرتين، ويتحدثان عن كل فصول الخبرة الفلسطينية كشيء فلسطيني مشترك.

إنهم يقولون، محقّين: نحن هُجرنا، وقتلنا، وطوردنا، وعشنا في المخيمات، وعانينا من البرد والجوع والفقر. نحن شَعب مُستعمَر.

نحن كافحنا لحفظ هويتنا وما نزال، واستطعنا هزيمة مشروع الإلغاء الذي استهدفنا كشعب، وأبقينا الصراع مستمراً ومفتوحاً على احتمال الحرية والانتصار.

يُقال دائماً عن الناس المخذولين المغتصبة حقوقهم والمحرومين من العدالة، إنهم متروكون في العراء، متروكون في الخارج، متروكون في البرد.

والمنفى القسري هو هذه المآلات بالذات، وكلها برد حسّي ونفسي، حيث يشعر المرء بأنه مكشوف، في الصيف والخريف والشتاء والربيع.

«الاستقرار» الذي يعيشه الفلسطيني ظاهري. و»الدفء» الذي يوفره له منزل مستأجر – أو حتى مُشترى- خارج الوطن المحتل يوفر دفئاً وقتياً غير مستقر.

البرد والغربة وفقدان الأمن والاستقرار هي متعلقات هوية الفلسطيني وأمتعته الشخصية، من أي جيل وفي أي مكان.

مَن يُمكِن أن يزعَم أنه عاش حياة ظاهرها النجاح والاستقرار والدعة أكثر من إدوارد سعيد؟ كان أستاذاً جامعياً، ومفكراً عالَمياً، وصاحب نظرية وكتُب، ويحمل الجنسية الأميركية، ولا بُدّ أن أحواله المادية كانت مريحة.

لكنه كتب، من كل ذلك، بكثافة عن المنفى والشعور الخاص الذي يصاحبه. ومن ذلك ما كتبه في مقالته الرائعة «ذهنية الشتاء: تأملات في الحياة في المنفى»: «المنفى ليس أبدًا أن يكون المرء قانعاً، مطمئناً أو آمناً.

المنفى، على حد تعبير والاس ستيفنز، هو «عقل الشتاء» حيث تكون عواطف الصيف والخريف، بقدر ما هي إمكانية الربيع، قريبة وإنما صعبة المنال.

المنفى هو الحياة خارج النظام المألوف. المنفي بَدَوي، غير متمركز، طباقي، ولكن المرء ما يكاد يتعوّد عليه حتي تندلع من جديد قوّته غير المستقرّة».

«عقل الشتاء»، أو «ذهنية الشتاء»، التي يتحدث عنها سعيد هي التي عبر عنها الشاعر الأميركي، ستيفنز، في قصيدته الرائعة «رجل الثلج».

وفكرته أن «المنظورية» perspectivism هي التي تتحكم إلى حد كبير في تصور المشاهد للمشهد الشتوي، حيث يكون عقل الشخص مسؤولاً عن استثمار خصائص محددة في المشهد المعنيّ، سواء كان شتويًا أو صيفيًا.

في «المنظورية»، يرتبط إدراك شيء ومعرفته بالمنظورات التفسيرية للشخص الذي يشاهده، بالزاوية التي يرى منها الشيء.

وباعتبار أن المنفى حياة خارج النظام المألوف، مترحلة وغير مستقرة، فإن الفلسطيني المنفي سيكون «شتائي العقل»، مدركاً لبرد المنفى حيث الفصول الأخرى بعيدة المنال.

برد اللاجئين مشترك. في حي للاجئين في السويد، أو مخيم في بيروت، أو على حدود رومانيا أو في معسكر في اليونان.

ولذلك، يستطيع طفل فلسطيني تعلم الكلام تواً أن يقول، في غربة الوطن المحتل أو الشتاب، إنه يشعر بالبرد مثل أي لاجئ مُغرَّب.

المقال السابق للكاتب

ضرورة المنطق..!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock