فكر وأديان

برقيات حول الأحداث والأخبار

أسامة شحادة

وقعت في الأسابيع الماضية مجموعة من الأحداث المهمة، والتي لم أتمكن من التعليق عليها بسبب سلسلة مقالات “هل مِن العقلانية اتخاذ العقل مرجعية مطلقة؟”، وما لا يُدرك كله لا يترك جله، فهذه برقيات مختصرة حول هذه الأحداث تهدف لتركيز البوصلة على أخذ العبرة والعظة منها للمستقبل وسد الثغرة والخلل التي منها تقع الكوارث، لأن واقعنا يؤكد أننا لا نستفيد كثيرا مما يجري لنا ونبقى نكرر الأخطاء والإهمال وربما الفساد المتعمد!
1 – شغل الشارع الأردني منذ أشهر بقصة الغارمات، وهن النساء الأردنيات اللواتي أخذن قروضا ربوية صغيرة وعجزن عن سدادها حتى بلغ عدد المطلوب منهن للقضاء 13 ألف سيدة، نصفهن مطلوبات على مبالغ لا تتجاوز 1400 دولار! وتُبين الأرقام الرسمية أنه في خلال عام 2017 فقط اقترضت 176 ألف سيدة من البنوك، بينما مَن اقترضن من شركات التمويل بلغ عددهن أكثر من 300 ألف! وكثير من هذه القروض كان بضغط من الأب أو الزوج، و20 % منها لغايات استهلاكية! وآفة القروض الربوية لا تقتصر على النساء ولا على المجتمع الأردني بل هي تصيب غالب المجتمعات الإسلامية.
وهذه هي ثمرة تغلغل نمط الاستهلاك وثقافة العولمة في نسيجنا وضعف الوعي الديني بأن الربا مرض وليس علاجا
2 – شكلت إعادة فتح المقدسيين بالقوة لباب الرحمة في المسجد الأقصى قبل أكثر من شهر بعد إغلاقه من قبل الاحتلال منذ العام 2003، نقطة مهمة في الصراع مع الاحتلال الذي يهدف للاستيلاء على المسجد الأقصى كله، ومعلوم أن المسجد الأقصى هو كل ما دار عليه السور والذي تبلغ مساحته 144 دونما، ومن خبث الاحتلال محاولته حصر مفهوم المسجد الأقصى في المسجد القبلي وقبة الصخرة فقط، ولذلك حاول ترويج خدعة التقسيم الزماني والمكاني للاقصى بين المسلمين واليهود، فيكون هناك أوقات لليهود لدخول المسجد الأقصى وأماكن لليهود في الأقصى، بخلاف المسجد القبلي وقبة الصخرة!
وإبطال هذا يحتاج إلى نشر الوعي بحقيقة المسجد الأقصى الكبيرة وأن هناك مباني ومساحات محتلة منه بالكامل، كحائط البراق وبعض القاعات والمدارس في سور المسجد الأقصى وبوابة المغاربة المغلقة وغيرها، بخلاف الأنفاق السرية تحت المسجد الأقصى ومنطقة القصور الأموية والاعتداءات على مقبرة الرحمة، وبعد ذلك تجييش الأمة شعوبا وحكومات للدفاع عن المسجد الأقصى وعدم ترك المقدسيين والفلسطينيين والوصاية الهاشمية لوحدهم في مواجهة عدوان الاحتلال وأنصاره كإدارة ترامب.
إن الشعب الفلسطيني ما يزال ينبض بالحياة والمقاومة والجهاد، ويقدّم الأبطال تلو الأبطال، وليس آخرهم عمر أبو ليلى، ذلك الفتى الصغير الذي هاجم جنديا مدربا ومسلحا بيدٍ عزلاء إلا من سكين فواكه! فجندله وخطف سلاحه وهاجم عدة حواجز ومستوطنين وانسحب بنجاح، ولم يتمكنوا منه إلا بعد أيام اعتمادا على الكلاب البشرية والكلاب المدربة وباستخدام قذائف صاروخية! ولكن هذا الشعب لا يمكنه لوحده دون عون أشقائه من رد العدوان ، كما أن تفرقه وتشتته لا يمكنه من إتمام النصر!
3 – انتفضت الأمة من مختلف أقطارها في وجه مَن حاول التشكيك بصحيح البخاري، مما يؤكد حيوية الأمة وأنها تدرك مركزية السنة النبوية في دينها وثقافتها ومرجعيتها، وتدرك مخططات الأعداء القديمة والمتواصلة للطعن بالسنة النبوية عموماً، وبصحيح البخاري خصوصاً، لهدم حائط الدفاع عن القرآن الكريم والهجوم عليه لاحقاً، وهذا الهدف الخبيث سعى لتحقيقه مستشرقون وعلمانيون ومنحرفون وأفاكون وبعض المحسوبين على الإسلام اتباعا لأهوائهم أو بسبب شبهات وتصورات مغلوطة بتأثير الضغط الاستشراقي والعلماني.
وتعميم الثقافة السليمة بمرجعيتنا الإسلامية ومصادرها الأصلية (القرآن الكريم والسنة النبوية) والمنهج الصحيح في التعامل معهما صمام الأمان للأجيال من شبهات الأعداء ومخططات مراكز التفكير الغربية والشرقية.
4 – فجعت الأمة مؤخرا بجريمة الاعتداء الإرهابي المتطرف على المسجدين في نيوزلندا، والهجوم الغادر على المدنيين في الباغوز بسورية بحجة مقاتلة داعش، وهذا يؤكد مرة أخرى أن دماء المسلمين في هذا العالم مستباحة طالما لا قوة مادية تسندهم.
وبرغم أن المسلمين هم ضحايا داعش الأكثر دون العالمين، إلا أنه يتم تحميلنا مسؤولية جرائم داعش! بينما يحظى الإرهاب من مختلف الأديان والملل بالدعم والدلال رغم أننا نحن المسلمين أيضا ضحايا الإرهاب اليهودي والبوذي والمسيحي واليميني والعنصري في أقطار الأرض.
ولكن ورغم هذا فإن الإسلام والمسلمين لهم الغلبة في النهاية، فقد أقبل المنصفون من سكان نيوزلندا للتعاطف والتعارف مع المسلمين ومن ثم دخل في الإسلام المئات منهم، وهو ما سبق أن حدث في مرات كثيرة، فهذه الدماء الزكية والبريئة تنير الهداية لقلوب البشرية وتهزم الإرهاب والعدوان، وعلينا معشر المسلمين الثبات على نهج الإسلام بالإحسان لجميع الناس والعمل والتواصل معهم وتعريفهم بالخير والهدى، وأن نتصدى فقط لمن يعتدي علينا بأحسن الطرق دون ظلم، ولنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة القدوة بالمسامحة والغفران، وقلّده في ذلك صلاح الدين حين استعاد القدس بعد أن خاضت رُكب خيل الفرنج في دماء المسلمين، فلم يعاقبهم ولم يغدر بهم وسمح لهم بالمغادرة.
5 – شكلت جريمة قتل الطفلة “نيبال” من قبل حدث صدمة جديدة للشارع الأردني، وأصبحت هذه الجرائم تتكرر بشكل يطلق ناقوس الخطر حول التبدلات السلبية التي يشهدها المجتمع، فهذه الجرائم لا تأتي من فراغ بل هي نتاج طبيعي لضعف آليات المجتمع في تعزيز مناعته وتحصين سلامته، وهذا حال يتعدى الأردن لكافة الدول العربية والإسلامية.
فالعملية التعليمية تعاني من تردٍّ رهيب في الجانب التعليمي ولكن الأكثر مأساوية هو الجانب التربوي، حيث ضغط الحصص على المعلمين وزحمة الطلاب في الفصول وتدني رواتب المعلمين تجعل العملية التربوية في أولوية متأخرة جداً بل تكاد تكون معدومة!
والحال ليس أفضل على صعيد الدور المسجدي والذي ينتظر منه رعاية تدين المجتمع وبث الإيجابية والقيم الأخلاقية في عروق المجتمع، لكن السياسات الحكومية والتي تعمل بهاجس محاربة التطرف أو الإسلام السياسي أو محاربة تيارات دينية معينة عملت على تفريغ غالب منابر الجمعة من الخطباء الأكفاء والأئمة الجادين المؤثرين، لتستبدلهم بموظفين غير أكفاء سوى طاعة التعليمات! وكل هذا يجري ونحن نرفع شعار تطوير وتعزيز مهارات موظفي القطاع العام!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock